لازالت موجةُ الغضب الواسعة التي اجتاحت مواقع التَّواصل الأيام الماضية، مستمرَّةً حتَّى الساعة، بعد إساءة شابٍّ لأحد الدُّعاة في مترو الرياض، حيث كان الدَّاعية يجلس بمنتصف مقصورة الركَّاب، ويوجِّه أسئلةً دينيَّةً، ومَن يُجبٍه يَهَدهِ (مسواكًا)، وحين شعر بفتور فقرته، ونهوض أحدهم متململًا من جانبه، فزَّ وذهب لأحد الركَّاب الواقفِينَ طالبًا منه المشاركة، لكنَّه فاجأه بردِّه الصَّاعق: (أنَا مَا أحتاجُ مسواكًا، أحتاجُ سدادةَ أُذن)!! ربما أخطأ الدَّاعية، حين حوَّل مقصورة الركَّاب بالمترو إلى حلقة مسابقة دينيَّة، لكنَّ خطأه العفويَّ هذا لا يمنحُ الشَّاب الحقَّ بأنْ يقلَّ أدبَهُ بهذهِ الطريقةِ، وكان حريًّا بالجهة المختصَّة التعقيب على الحادثة، ببيان مقتضب يفنِّد الممارسة الخاطئة، قبل أنْ نفاجأ بحقبة: (دُعاة على أبواب المترو)!! الحقيقة، أنَّ وجه الدَّاعية تملأه السَّماحة والطِّيبة، وغالبًا كانت نيّته سليمةً، حين أشرك مَن حوله بالمسابقة؛ لاستغلال وقت الرِّحلة بالأجرِ والمثوبةِ، لكنَّه تحمَّس كثيرًا حين نهض من كرسيِّه وغافلَ الشابَّ الأربعينيَّ الواقفَ بمحاذاة النافذة، والذي كان ملتحيًا ومتهندمًا، ونفترضُ فيه الوقارَ والحكمةَ، لكنَّه ربَّما كان مُجهدًا للغاية، أو غارقًا في همومه، أو غير مستعدٍّ أو متقبِّلٍ للمشاركة، فلم يتحمَّل زنَّ وإلحاحَ الدَّاعية عليه، فأخرجَ أسوأَ ما فيه!! الكارثةُ، أنَّ غالبية الغاضبِينَ من ردَّة فعلِ الشَّاب تجاه الدَّاعية، لم يتوقَّفُوا عند ممارسة حقِّهم بنقد كلماته المُسيئة، بل ذهبُوا للغوصِ في نواياه الغيبيَّة، مردِّدين بأنَّه: «لو كانتْ موسيقَى ما انتقدهَا ولا هاجمهَا»، وهذا نوع من أنواع الفجور في الخصومة، فغالبًا لو كان جالسًا مكان الدَّاعية عازف كمنجةٍ، أو نايٍ، أو عودٍ، أو حتَّى أورج، وكان الشابُّ بنفس الحالة المزرية، وقام العازفُ ومدَ له بطبلة ليشاركه، لكال له الشَّتائم وكسرها على ظهره!! الصَّراحة، أنَّ أيَّ أحدٍ يغيِّر من الغاية المخصَّصة للمكان الذي يجلس فيه، سوف يُقابَل بالرَّفض والاستهجان، ليس لعيب ما يطرحه، ولكن «ما هو وقته»، يعني لمَّا تكون بطلعة عشاء مع أصحابك، لا تعكِّر الجلسة بمشكلاتك الأُسريَّة، لمَّا تكون بالمسجد، لا تُذهِب الروحانيَّة بالحديث عن مصالحك الدنيويَّة، لمَّا تكون بافتتاح منجزٍ وطنيٍّ، لا تُفسِد النشوة باستعراض القضايا القوميَّة، وتذكَّر دائمًا أنَّ (الكلام كالدَّواء، إنْ قلَّلت منه نفعَ، وإنْ كثَّرت منه صدعَ)!! مخاوفنا هنا، ليست من الدَّاعية المُسن الذي يمتلئُ وجهه بالرِّضا والبشاشة، ولا من الركَّاب الذين ربما جاملُوه ليتوقَّف عن استجدائِهِم طوال الرِّحلة، مخاوفنا هنا، أنْ يتلقَّف مثل هذه الممارسة الخاطئة بعضٌ من الدُّعاة المتزمتِينَ الذين يبحثُون عن إشاعة الفتنة فيعيدُوا لنا حقبة (الفئة الضَّالة)، حقبة تغرِّر بشبابنا اليائس باسم الجهاد، فتدفعهُم للعمليَّات الإرهابيَّة، والصِّراعات الإقليميَّة، حقبة يقودها هذه المرَّة: (دُعاة على أبواب المترو)!!