×
محافظة مكة المكرمة

حمد القاضي.. مثقف الوطن وسيرة الحضور

صورة الخبر

في زمنٍ اعتاد فيه المشهد الثقافي أن يؤجّل الإنصاف إلى ما بعد الرحيل، تأتي الكتابة عن الأديب والمثقف حمد القاضي -أطال الله في عمره- وهو حاضرٌ بيننا؛ توثيقًا لمسيرةٍ أوج ثقافية حيّة، وقراءةً لمسارٍ يتشكّل أمام أعيننا بكل فخر واعتزاز.. يمثّل أستاذنا القدير حمد بن عبدالله القاضي أنموذجًا للمثقف السعودي الذي تداخلت تجربته الحيّة عبر عقود بين الاشتغال بالكلمة والعمل العام، وبين الفعل الثقافي والتأثير الاجتماعي، والاقتراب الواعي من قضايا المجتمع والوطن عبر مسيرته الأوج الممتدة اتّسمت بالاستمرارية والتنوّع، بحضورٍ غير آيل للانقطاع، متصلاً بقضايا الوطن والإنسان، عبر الصحافة، والكتاب، والمؤسسات، حتى المنصات الرقمية. ومن سعة التجربة والخبرة والحضور، انخرط "القاضي" في النشاط الثقافي والإعلامي عبر مسارات متعدّدة، شملت إلقاءً للمحاضرات، والمشاركة في الندوات التي تناولت القضايا التنموية والاجتماعية والثقافية والوطنية، إلى جانب حضوره في الإعلام المرئي والمقروء والرقمي. هذا التنقّل بين المنصات منح خطابه سعةً وتأثيرًا، وربط الفكرة الثقافية بالناس حضورًا، وجعل الكلمة قادرة على العبور من الصفحة إلى الفضاء العام بكل رشاقة وسموّ. وحين تنتقل الثقافة من الجهد الفردي إلى العمل المؤسسي، نجد أن مشاركته عضوًا في لجنة المشورة بالمهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) لعدة دورات شكّلت محطةً مهمّة في مسيرته، بوصفها مشاركة من داخل أحد أبرز المشاريع الثقافية الوطنية، وامتد هذا الحضور عبر عمله أمينًا عامًا لمجلس أمناء مؤسسة الشيخ حمد الجاسر الثقافية، وعضوًا ونائبًا لرئيس هيئة كرسي غازي القصيبي الثقافية والتنموية، حيث تلاقت الخبرة بالمسؤولية، والمعرفة بالفعل الثقافي المنظّم، كما كان حضوره فاعلًا في الحوار الوطني الخامس الذي صاغ «الرؤية الوطنية للتعامل مع الآخر»، وهو مسار وطني أسهم في ترسيخ ثقافة الحوار، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحة مشتركة للتفاهم المجتمعي. وفي سياقٍ وطنيّ اتّسعت فيه مظلة الرعاية الثقافية، ترتبط تجربة أبي بدر بالمناخ الذي رعاه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- منذ أن كان أميرًا لمنطقة الرياض، حيث شهدت تلك المرحلة توسعًا لافتًا في المؤسسات الثقافية، والمهرجانات، والمبادرات المعرفية، وفي هذا المناخ، تبلور حضور "القاضي" ضمن حراك ثقافي مدعوم رسميًّا، وتؤكّد سيرته الذاتية حصوله على ثلاثة أوامر ملكيّة شملت التعيين وتجديد الثقة عضوًا في مجلس الشورى السعودي، وهو توثيقٌ رسمي من القيادة يضع علاقته بالوطن في إطارها المؤسسي، القائم على الثقة والتكليف والانتماء والمسؤولية في العمل العام. ومثلما كان حضور "القاضي" ممتدًا، جاء التكريم بحجم الأثر، فحظي بتكريمات ثقافية وإعلامية واجتماعية متعدّدة، عكست امتداد أثره في المجال العام، كأحد روّاد الإعلام والثقافة في المملكة بالمهرجان الثقافي من أمير منطقة مكة المكرمة، وتكريمه من منصة «إحسان» بوصفه أحد المؤثرين في نشر الوعي التطوعي في الحفل الذي رعاه سمو ولي العهد، كما اختير شخصيةً ثقافيةً مكرّمة في الملتقى الثقافي الذي رعاه الأمير خالد الفيصل ونظّمه نادي جدة الثقافي، وفاز بجائزة المحتوى الإيجابي الرقمي التي تبنّتها إمارة القصيم، إضافة إلى حصوله على جائزة الإعلام الاجتماعي من جامعة الأمير محمد بن فهد بالدمام، وتصنيفه ضمن أكثر عشرة حسابات ثقافية متابعة في منصة تويتر خلال عام 2022م. ولأن الأثر لا يتوقّف عند الجغرافيا، فقد امتد هذا التقدير إلى الفضاء العربي بتكريمه ضمن خمس شخصيات ثقافية إعلامية عربية في مهرجان اتحاد الإذاعات العربية بتونس، وتكريم خاص من مسقط رأسه من محافظ وأهالي عنيزة ومنحه «قلادة عنيزة الذهبية» في أبريل 2024م، ونيله وسام «مبادرة فينا خير» المعنية بالعطاء الاجتماعي. أما حين تتجسّد التجربة والأدب والثقافة والمعرفة في كتب، فقد أصدر "حمد القاضي" ثمانية كتب تنوّعت موضوعاتها بين الثقافة والمجتمع والوطن، من بينها «الشيخ حسن آل الشيخ الإنسان الذي لم يرحل»، «أشرعة للوطن والثقافة»، «رؤية حول تصحيح صورة بلادنا وإسلامنا» الذي تُرجم إلى اللغة الإنجليزية، «غاب تحت الثرى أحبّاء قلبي»، «الثقافة الورقية في زمن الإعلام الرقمي»، «قراءة في جوانب الراحل د. غازي القصيبي الإنسانية»، «الدكتور عبدالعزيز الخويطر: وسم على أديم النزاهة والوطن»، و«مرافئ على ضفاف الكلمة». وباتجاهاته الخيرية خُصّص دخل هذه الكتب لصالح جمعيات خيرية ومؤسسات ثقافية، بما يعكس البعد الإنساني المصاحب لمشروعه الكتابي. كما صدر عنه هو شخصيّا كتابان توثيقيان، وأُنجزت عنه رسالة ماجستير بعنوان «المقالة عند حمد القاضي» في جامعة الأميرة نورة؛ توثيقًا لتجربته النقدية والصحفية. وفي العصر الذي تختبر فيه الكلمة حضورها الرقمي، تكرّس حضور القاضي في منصة X، بوصفه صوتًا ثقافيًا وطنيّا اجتماعيّا قريبًا من الناس. لغته الهادئة، ونبرته المتزنة، واختياره للمعنى الأنيق، صنعت علاقة ثقة مع متابعيه، فتحوّل حسابه إلى مساحة تلاقٍ وجداني وثقافي، يلتقي عندها الجميع دون اختلاف، ويجد فيها القارئ قيمة إنسانية مشتركة. وفي زمنٍ اعتاد فيه المشهد الثقافي أن يؤجّل الإنصاف إلى ما بعد الرحيل، تأتي الكتابة عن حمد القاضي -أطال الله في عمره- وهو حاضر بيننا توثيقًا للحظة ثقافية حيّة، وقراءةً لمسارٍ يتشكّل أمام أعيننا بكل فخر واعتزاز. وباختصار، حين نقرأ هذا الاسم الضخم، نجزم أنه ليس في حاجة أن نكتب حرفًا واحدًا عنه بقدر أن نقف إجلالا لقصة أديب مثقف سعودي عايشناه وعقود من الحكمة والأدب والمعرفة والعطاء لوطنه وقيادته ومجتمعه، وشهادةُ "عصرٍ" تحبو نحوه؛ تزرع القدوة لمن يقابله أو يعرفه أو تعلّم منه، مع رؤية لي وللأجيال القادمة نحو الأوطان.. "حمد القاضي" أكاليل وفاء نهديها لك بحجم الوطن مع شكر مسيّجٍ بشذا الوفاء لـ"قلبك" وأكثر.