×
محافظة الرياض

رؤية 2030 إستراتيجية تنموية حطمت مشاريع الفوضى بالمنطقة - محمد سليمان العنقري

صورة الخبر

منذ اعتمادها قبل نحو عشرة أعوام نقلت رؤية 2030 المملكة لمرحلة جديدة كلياً من التنمية على كافة الأصعدة، وأعادت تعريف المصالح مع العالم، فهي أكبر بكثير من مجرد تنمية قطاع أو بناء مشروع، فهذه كلها من ممكنات ومستهدفات جانب من جوانبها الاقتصادية، فهي مشروع له أبعاد خارجية لدعم الاستقرار والسلام والتنمية بالشرق الأوسط، وجاءت لتنهي حالة النزاعات والفوضى التي تسببت بها مشاريع لدول طامحة بنفوذ في هذه المنطقة الأهم في العالم، حيث انتهت كل تلك المشاريع بالضربة القاضية وماتت؛ لأنها قامت على منفعة ضيقة وبأساليب لا تبني دولاً بل استغلت حالة ضعف في بعض الدول العربية لتتغلغل فيها وتحاول السيطرة على قرارها، وتكريس الانقسام المجتمعي وإضعاف المؤسسات الحكومية، والشواهد كثيرة وآخرها المشروع الإسرائيلي الذي يسعى لتقسيم دول محيطة به وتهجير الفلسطينيين والذهاب لأبعد من ذلك جغرافيا في اليمن والسودان والصومال للعبث بسيادتها؛ طمعاً في إضعاف وإشغال اغلب الدول العربية اعتقاداً منها أن ذلك يحمي أمنها، بعد أن انتقلت بعقيدتها من الدفاع للهجوم في العقدين الأخيرين، وهناك من رأى في ما تقوم بها ملامساً لهواه بالتغلب على «عقدة الصغير» فراق له ما تقوم به حكومة المتطرفين من صهاينة إسرائيل وحاول التناغم معهم. لكن كل ذلك سقط وتعرّى في اللحظة الحاسمة والمناسبة، فتمت مواجهة هذا العبث بحزم تقوده المملكة العربية السعودية وجاء باللحظة الفارقة لأن إسقاطه وتعريته يعني عدم القدرة على إعادة إنتاجه من جديد، فقد كرس له وقتاً وجهداً كبيرين وبالتالي لا يمكن مع مرحلة إضعافه وإسقاطه تماماً أن يستطيع منظرو ومنفذو هذا المشروع العبثي أن يبنوه من جديد، فكما يقال «عود الثقاب يشتعل مرة واحدة»، فعلى صخور جبل طويق تدمر هذه المشاريع التخريبية أو ضيقة الأفق ليكون المشروع السعودي التنموي الهادف للاستقرار وتعزيز الشراكات وجذب الاستثمار للمنطقة هو القائد في المنطقة بلا منازع، والأمل بانتقالها لمرحلة جديدة كلياً تنتهي بها النزاعات وتغلق ملفات استغلت لعقود طويلة في عدم استقرار الشرق الأوسط والمنطقة العربية لتصبح أكثر تطوراً، وتستثمر طاقات شعوبها وثرواتها في بناء مستقبل زاهر من حق مجتمعاتها أن تعيشه، وأهم هذه القضايا هي إقامة دولة فلسطينية التي عملت المملكة بجهود كبرى لتكون واقعاً أثمرت عن اعتراف جل دول العالم بها استعداداً لأن تكون حقية على الأرض في السنوات القادمة، ولن ينفع قادة إسرائيل أي عبث أو محاولة لمنع قيامها، فالقرار الدولي أصبح حقيقة وعن قناعة تامة بأن هذه الدولة يجب أن تولد لشعب عانى كثيراً لنيل حقوقه المسلوبة. وبما أن الرؤية ذات أبعاد كبرى فهي على المستوى الداخلي أسهمت بنمو الاقتصاد الوطني بأكثر من 70 بالمائة تراكمياً خلال الأعوام العشرة منذ إطلاقها، ووسعت حجم وعدد القطاعات الحيوية بالاقتصاد؛ مما أدى لبلوغ الناتج المحلي للعام الماضي لحوالي 1,3 تريليون دولار مرتفعاً من نحو 750 مليار دولار في بداية الرؤية، كما أنها عززت من جودة الحياة والانفتاح على العالم سياحياً واستثمارياً وطورت شراكات المملكة مع أكبر اقتصادات العالم وأصبحت مقراً إقليمياً للتعدين أحد أهم القطاعات الصاعدة بالعالم، وكذلك ستكون من بين أكبر دول العالم في مجال الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، وأيضاً المركز الأول بالمنطقة ومن أهم دول العالم بسلاسل الإمداد بالإضافة للنشاطات الصناعية وغيرها من الخدمات، فكل ذلك تحقق الكثير منه وقد نفذ خلال مراحل الرؤية التي مضى من عمرها 70 بالمائة عدد ضخم جداً من المشاريع ولولا ذلك لما تحقق هذا النمو الاقتصادي الكبير جداً بفترة قياسية، ففي كل عام تعتمد ميزانية تريليونية تتضمن عدداً كبيراً من المشاريع.. ففي آخر عشرة أعوام بلغ حجم الميزانيات العامة للدولة أكثر من 11 تريليون ريال أي نحو 3 تريليونات دولار ساهمت بنقلة كبرى في الاقتصاد الوطني وولدت عدداً ضخماً من فرص العمل والاستثمار، وكذلك يلعب صندوق الاستثمارات العامة دوراً محورياً في تنفيذ مشاريع عديدة دخل كثير منها حيز التشغيل؛ مما ضاعف حجم الصندوق عدة مرات ليتجاوز حاجر تريليون دولار. إن ما تحقق من نمو وتطور هائل بالاقتصاد الوطني هو انعكاس لوعود ومستهدفات أصبحت نافذة وتحققت، ولذلك تحول الاقتصاد السعودي ليكون الأول بالمنطقة من حيث جاذبية الاستثمارات سواء الحقيقية بالمشاريع أو بالأصول المالية، وانتقلت مقرات أكثر من 700 شركة عالمية للمملكة وتركز أكبر شركات التمويل والاستثمار على تواجدها في الشرق الأوسط في السوق السعودي وأكبر دليل ما نراه من مشاركات لهم في المؤتمرات التي تعقد بالمملكة سنوياً، إذ يحرصون على المشاركة والتأكيد على زيادة حجم نشاطهم ودورهم في الاستثمار والتمويل في المملكة، ويرون أن حيوية ومرونة الاقتصاد السعودي وكذلك الرؤية عاملاً مهماًداً لتعزيز الثقة بالاستثمار والشراكة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، فالمرونة في اتخاذ القرارات التي تخدم مصلحة الاقتصاد من خلال توجيه الاستثمار والمشاريع لقطاعات جديدة برزت بشكل كبير بعد جائحة كورونا، مثل قطاعات المعادن والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، جعل المملكة تعيد النظر في أولويات المشاريع والقطاعات التي يجب التركيز عليها تماشياً مع تطورات الاقتصاد العالمي؛ نظراً لأن إمكانيات المملكة كبيرة بما يسمح لها بالنجاح بهذه القطاعات التي تعد هي عنوان الاستثمار والتنافس الدولي حالياً، فمن الطبيعي أن توجه الطاقات لتلك المشاريع ويعاد النظر بمشاريع أخرى يمكن تأجيلها أو توزيعها على مراحل زمنية أطول، رغم أنه لم يصدر أي إعلان رسمي عن إلغاء أو تأجيل أي مشروع معلن، فكل ما يقال هو نقل عن صحافة عالمية، ولكن مع ذلك إذا كان هناك أي إعادة دراسة لأولويات المشاريع فهو ما يميز طبيعة الاقتصاد الوطني حالياً ومن خلال الرؤية التي من الأساس وضعت الحيوية والطموح والازدهار ركائز أساسية لها، فمن أساسيات الوصول لتلك الأهداف المرونة والمراجعة الدائمة للخطط والمشاريع والمستجدات الاقتصادية العالمية وتحويلها لفرص محلياً. حفظ الله المملكة قيادة وشعباً فرؤية 2030 بالتنمية والتطوير الذي أحدثته أثبتت أنها أكبر من مجرد مشاريع يمكن تنفيذها أو تأجيلها أو إضافة مشاريع جديدة مثل ما تحتاجه استحقاقات نجحت المملكة في الحصول عليها كأكسبو الرياض 2030 وتنظيم كأس العالم 2034، فهذه كلها تعد وافداً جديداً لمحفظة مشاريع المملكة وبالتالي فإن الأولويات تتغير معها والطاقة الاستيعابية للاقتصاد ستوجه لتنفيذ مشاريع تلك الاستحقاقات، إضافة للقطاعات الحديثة التي يتسابق العالم لأخذ نصيب كبير منها كالتعدين والبيانات والذكاء الاصطناعي مع استمرار تنفيذ المشاريع بقطاعات تعزز التنمية البشرية كالتعليم والصحة والخدمات العامة والانتقال للرقمنة، حيث تعد المملكة من أكثر الدول تقدماً فيها. خلاصة القول تغيير الأولويات بالمشاريع وتعديل الخطط أمر طبيعي جداً ويعكس طبيعة مرونة الرؤية؛ لأن ذلك يساهم بتحقيق الأهداف التنموية بأعلى عائد ممكن وبمعدل نمو يعد من الأفضل بين دول مجموعة العشرين، فالأهداف السامية للرؤية أكبر وأبعد من مجرد مشاريع وانعكاس نجاحها محلياً وإقليمياً له صدى عالمي واسع؛ لأنها نقلت العلاقة مع العالم خصوصاً المتقدم لمرحلة الشراكة الحقيقية مع المنطقة بفضل رؤية 2030 بعد أن كانت علاقاتهم بالشرق الأوسط محدودة بجوانب تبادل تجاري أو إدارة ملفات لأزمات بالمنطقة على مدى عقود مضت.