تولي منظمة التعاون الإسلامي اهتماما متعاظما بقضايا الشباب، انطلاقاً من إدراكها العميق للدور المحوري الذي يمكن أن يلعبه في نهضة الدول الأعضاء وتعزيز استقرارها الاجتماعي والاقتصادي. وتعتبر المنظمة أن الاستثمار في هذا القطاع ليس مجرد خيار تنموي، بل يمثل ضرورة إستراتيجية لضمان بناء مجتمعات قوية وقادرة على مواجهة تحديات العصر. ومن هذا المنطلق، تبنت المنظمة مجموعة من المبادرات والبرامج التي تستهدف تعزيز مهارات الشباب، وتوسيع مشاركتهم في الحياة العامة، وتمكينهم من الوصول إلى الفرص التعليمية والمهنية، لذلك بادرت خلال السنوات الماضية بتطوير برامج تدريبية تعزز قدرات الشباب في مجالات ريادة الأعمال والابتكار والتقنية الحديثة، بهدف رفع مساهمتهم في الاقتصاد المعرفي الذي يشكل أحد محركات التنمية في العالم الإسلامي. من أبرز تلك المبادرات تأتي إستراتيجية منظمة التعاون الإسلامي للشباب التي اعتمدتها الدول الأعضاء في إطار برنامج عمل المنظمة لعام 2025، والتي تمثل إطارا شاملا يساعد الشباب على مواجهة تحديات البطالة، وقضايا الصحة، والمشاركة السياسية. كما اعتمد مجلس وزراء الخارجية في دورته الخمسين في أغسطس 2024، ياوندي، النظام الأساسي لصندوق منظمة التعاون الإسلامي للشباب. كما تبنت مبادرة برنامج عاصمة شباب منظمة التعاون الإسلامي الذي يتم بموجبه سنويا اختيار مدينة في إحدى الدول الأعضاء لتصبح منصة لتنظيم فعاليات ثقافية، وتعليمية، ورياضية، وبرامج لبناء القدرات طوال العام. هذا إلى جانب العديد من المبادرات الأخرى مثل منتدى شباب التعاون الإسلامي، ومبادرات التحول الرقمي وبناء القدرات التقنية، وغيرها من المبادرات والبرامج التي تؤكد اعتماد المنظمة لمقاربة شاملة لتمكين الشباب، تقوم على بناء القدرات، وتعزيز المشاركة، ودعم الابتكار والتحول الرقمي، وتوفير منصات دولية للتفاعل، وتطوير سياسات قطاعية شاملة. خلال الشهر الماضي أطلقت الهيئة المستقلة الدائمة لحقوق الإنسان والتابعة للمنظمة، بالتعاون مع اتحاد وكالات المنظمة (إعلان جدة 2025 لتمكين الشباب والتنمية والسلام) الذي جاء شاملا ووافيا، حيث جاء بمثابة خطوة فارقة تحمل دلالات عميقة حول التحول في طريقة تفكير المنظمة تجاه قضايا الشباب. فالإعلان يمثل رؤية جماعية تُعلي من شأن الشباب باعتبارهم شركاء في السلام والتنمية، وصُنّاعاً لمستقبل تتداخل فيه الحقوق بالمسؤوليات، في إطار ينسجم مع أولويات الدول الأعضاء ويفتح المجال أمام مبادرات عملية وشراكات مستقبلية تعزز حضور الشباب في المشهد العام. ومن أبرز ما امتاز به البيان ليس مضمونَه فحسب، بل توقيته أيضاً، فقد جاء ثمرة نقاش موسع عُقد خلال الدورة السادسة والعشرين للهيئة في ديسمبر 2025، والتي جمعت أعضاء الهيئة وممثلي الدول الأعضاء والدول المراقبة، إلى جانب خبراء دوليين، في تركيبة تعكس الرغبة في صياغة إطار حقوقي وتنموي يستجيب للتحديات المتزايدة التي تواجه الشباب في دول العالم الإسلامي، وهي تحديات لم تعد تعالج ببرامج موسمية، بل تحتاج إلى رؤية تتكئ على الحقوق والحوكمة والعمل المشترك. كما لم يكتف الإعلان بتقديم مبادئ عامة، بل طرح محاور محددة تُشكّل أساساً لتحول حقيقي. فهو يبدأ من تمكين الشباب بالتعليم والمشاركة وبناء القدرات وتوفير الفرص العادلة، مما يعكس القناعة بأن التعليم لم يعد منفصلاً عن الوقاية من التطرف، وأن المشاركة تعيد للشباب ثقتهم بذواتهم وبمؤسساتهم، وأن بناء القدرات يحتاج إلى أدوات رقمية ومهارات مختلفة تجعل الشاب قادراً على التعامل مع عالم مضطرب، لا مجرد مستهلك للمعرفة. واستفاض الإعلان كذلك في تناول قضايا التنمية الشاملة باعتبارها من أبرز حقوق الإنسان ووسيلة رئيسية للوقاية من النزاعات، وهو توصيف يضع النقاط على الحروف في عالم يعاني فيه شباب الدول ذات الدخل المنخفض من ضعف البنية التحتية التعليمية والصحية وفرص العمل، ما يؤدي إلى تفاقم دورات الفقر والانسداد الاجتماعي. أما ما يتعلق بالسلام المستدام، فهو يمثل روح الإعلان لأنه تجاوز فكرة وقف إطلاق النار أو تسوية النزاعات السياسية إلى مرحلة منح الشباب دوراً مركزياً في بناء السلام بعد الصراع، وإشراكهم في الوقاية من النزاعات قبل وقوعها. كما اهتم الإعلان بالتحذير من المخاطر الرقمية وانتشار المحتوى الضار، وهو ملف غالباً ما يُهمَل رغم خطورته على فئة الشباب، خصوصاً في مجتمعات تتسع فيها الفجوة بين الوعي الرقمي والانتشار الهائل لمصادر التأثير الإلكترونية. ولا تفوتني في هذا المقام الإشادة بالدور الذي لعبه اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي «يونا»، والذي لم يكتفِ بمجرد المشاركة، بل أسهم في طرح رؤية تؤكد دور الإعلام في حماية حقوق الشباب، وأنه جزء من التنمية أيضاً، لأنه قادر على نقل النماذج الملهمة وكشف الانتهاكات والضغط من أجل سياسات أكثر عدالة. ومن الأهمية أيضا الإشارة إلى أن الإعلان، رغم أنه لم يمض وقت طويل على إطلاقه إلا أنه حظي بتغطية إعلامية مكثفة، ما يؤكد قدرته على التأثير، وأنه يمكن أن يكون دليلاً على قوة الشراكة بين الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان و«يونا»، وهو ما يمكن أن يساعد على فتح أبواب النقاش حول الإعلان في الدول الأعضاء ليشق ليجد طريقه نحو التطبيق العملي، لا أن يظل مجرد وثيقة تتناقلها النخب. لذلك أتفاءل بأن يمّثل الإعلان بداية لتغيير ثقافي في رؤية المنظمة لموقع الشباب وعلاقته بالسلام والتنمية، وأن تتغير النظرة إليهم من فئة تحتاج دوما للدعم إلى طاقة إستراتيجية يمكن أن تُحدث الفارق، وأنهم قادرون- إذا ما وجدوا الفرصة المناسبة لأن يكونوا شركاء جديرين بتسلم راية البناء والتنمية.