والمخلص... إلخ، ويردّدون في ذلك أقوالاً مختلفة بصياغات متعددة في مختلف اللغات واللهجات، من قبيل: ما تزرعه اليوم ستحصد نتائجه غداً، ومن جد وجد، ومن زرع حصد، وإنّك لا تجني من الشوك العنب، والجزاء من جنس العمل.. وما شابه ذلك. في علم النفس الفلسفي، توجد أيضاً نظرية أو فرضية تُسمّى «فرضية العدل الكوني»؛ أو «نظرية العالم العادل»، ومن أوائل الذين تطرّقوا إليها عالمُ النفس والأستاذ الجامعي الأمريكي، «ملفين ليرنر»، الذي يُعتبر من رواد البحث في قضايا العدالة. المؤيدون لهذا الاتجاه يعتقدون ببساطة أنّ ثمة قانوناً في هذا العالم يكافئ المحسن، ومن يعمل بشكل جيد؛ ويعاقب -في المقابل- من لا يعمل، أو من يعمل بشكل سيئ، أو من لا يُقدّم الخير والأفعال الحسنة... إلخ. هذه الفكرة تُعتبر أيضاً -بشكل أو بآخر- أساسًا من الأسس الكبرى في الفلسفة الهندية، وفق «مفهوم الكارما»، الذي يمكن تفسيره أيضاً بأنه «قانون السببية»؛ أي أنّ لكل فعل نتيجة، فأفعال الأفراد -بل حتى نواياهم أحياناً «الخيريّة أو الشريّة»- ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمستقبلهم ومصيرهم، فالفلسفات الهندية كلها تقريباً في الجملة، تؤمن أنّ الأعمال والنوايا الحسنة تصنع كارما إيجابية وسعادة، وأنّ الأعمال والنوايا القبيحة أو السيئة تصنع كارما سلبية، وتعاسة وشقاء مستقبلي. والحقيقة أنّي حين تأملتُ سورة الزلزلة في القرآن الكريم، وجدتها قد اختصرت كلَّ ذلك في آية واحدة، هي: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾، خاصة أنّي وجدتُ في كتب التفسير أقوالاً متعددة تشير إلى أنّ المقصد من «يَرَه» لا ينحصر في جزاء الآخرة فقط؛ وإنما يشمل الدنيا أيضاً، فمن يعمل الخير سيرى نتائج إيجابية في دنياه وآخرته، ومن يعمل الشر سيرى -في المقابل- نتائج سلبية، سواء كانت هذه النتائج ظاهرة، أو متوارية وفق الحكمة الإلهية. وفي المسيحية أيضاً، نجد هذه المسألة محسومة في نصوص كثيرة، من أدقها وأكثرها إيجازاً على سبيل المثال: «ما يزرعه الإنسان إياه يحصد»، فهذا النص الموجود في الكتاب المقدس (غلاطية 6: 7)، يُعتبر عند المسيحيين من القواعد الأخلاقية والروحية الكبرى، والمعنى ببساطة أنّ نتائج سلوكيات الإنسان -خيراً أو شراً- ستعود عليه في النهاية بشكل أو بآخر. حيث تؤكد مراجع مسيحية متعددة بصياغات مختلفة على المسؤولية الشخصية، وأنّ الجزاء من جنس العمل؛ فمن يزرع الخير والحب والسلام يحصد ثمار ذلك، ومن يزرع الشر والسلبية والسوء سيحصد ثمار ذلك الزرع أيضاً. ما أريد إيصاله هنا، هو أنّ اتفاق هذه الأديان والفلسفات والكثير من الحكماء وعلماء النفس والفلسفة، على وجود هذا الترابط بين أفعال الإنسان ومستقبليه الدنيوي والأخروي، يجعلني أميل إلى صحّة هذا المعتقد، وترجيحه على المعتقد الآخر الذي يعتقد أتباعه العكس. والمقصود بالعكس، هو التيار المعاكس الذي يضم العديد من الفلاسفة والحكماء والمذاهب، حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه أنّ العالم ليس عادلاً كما يتصوّره أصحاب الاتجاه الأول، فلا صحة -في نظرهم- لوجود هذا الترابط بين سلوكيات الإنسان ومستقبله، فالنتائج ليس شرطاً أنْ تكون عادلة. ويطول شرح ذلك ولا أريد الإسهاب في شرحه هنا؛ لأنني ببساطة أميل إلى قوة الموقف الأول، لأسباب كثيرة لو أردتُ الاسترسال فيها لاحتجت إلى صفحات طويلة، فالموضوع -عندي- عبارة عن حلقات مترابطة منطقياً، تبدأ من الإيمان بوجود خالقنا العظيم، وتمرّ أيضا بالإيمان بوجود الروح والتدابير الربانية وغيرها، وتنتهي إلى أنّ الإيمان بما سبق –أي بالخالق وتدابيره- يجعل الإنسان يتأمل حياة البشر من جوانبها المختلفة تأملاً يلاحظ من خلاله الكثير من الأمور التي تدور في فلك الكارما وارتباط سلوكيات البشر بمستقبلهم. وهناك مسألة فلسفية أراها في غاية الأهمية، وهي ببساطة: قد يقول قائل: كل إنسان -بشكل عام- لديه أعمال جيدة وحسنة من جهة، ولديه أعمال خاطئة أو رديئة أو سيئة من جهة أخرى، فكيف سيكون مستقبله وفق ذلك؟!. والجواب ببساطة -وفق القناعة التي أميل إليها حالياً- هو أنّ الموضوعَ نسبيٌّ، فإذا زاد أو طغى جانب الخير على جانب الشر في أعمال الإنسان، ستكون النتائج المستقبلية حسنة وإيجابية، أو -على الأقل- ستكون نسبة السعادة والفلاح والإيجابية أكثر في مستقبله. والعكس صحيح.