لم تكن الدقائق الأخيرة من الميركاتو الشتوي الذي أسدل ستاره قبل ساعات مجرد وقت إضافي في أجندة الكرة السعودية، بل كانت «ملحمة» كروية حبست أنفاس القارة الصفراء من أقصاها إلى أقصاها.. وفي ليلةٍ لم تشبه غيرها، نصّب نادي الهلال نفسه سيداً مطلقاً للمشهد، محولاً الحلم إلى واقع ملموس، والضجيج إلى إنجازٍ صامت هزّ أركان الإعلام العالمي، ليثبت للعالم أجمع أن «كبير آسيا» لا يعرف حدوداً لطموحه.. وسط ترقب مشوب بالحذر، فجّر الهلال القنبلة التي كانت تُطبخ على نارٍ هادئة؛ انتقال النجم الفرنسي كريم بنزيما، الحائز على الكرة الذهبية، (Ballon d»O) من نادي الاتحاد إلى الهلال.. لم تكن هذه الصفقة مجرد انتقال لاعب من نادٍ إلى آخر، بل كانت زلزالاً هزّ خارطة الانتقالات العالمية.. أن تنجح إدارة الهلال في استقطاب «الحكومة» في ميركاتو شتوي يتسم عادةً بالهدوء، هو إعلان صريح عن حقبة جديدة من الهيمنة، وتأكيد على أن الهلال هو الوجهة الأولى والوحيدة لمن يبحث عن كتابة التاريخ في قلب الرياض.. لم يتوقف صدى هذه الصفقة عند حدود العاصمة، بل تردد في ردهات أكبر المؤسسات الإعلامية العالمية.. صحيفة «L»?quipe» الفرنسية وصفت الحدث بأنه «تحدٍ أسطوري جديد لبنزيما في قلعة زرقاء لا تقبل بغير المنصات»، بينما أكد خبير الانتقالات العالمي «فابريزيو رومانو» أن الهلال أدار واحدة من أكثر العمليات تعقيداً واحترافية في تاريخ الميركاتو الشتوي، واصفاً إياها بـ«ضربة المعلم».. أما صحيفة «Marca» الإسبانية، فقد سلطت الضوء على القوة الشرائية والجاذبية التنافسية للهلال، معتبرة أن الفريق الأزرق نجح في بناء «ترسانة هجومية» مرعبة تجعله قادراً على مقارعة كبار أوروبا قبل آسيا.. وفي لمسة وفاء.. «فينيسيوس جونيور» يودع «أخاه الأكبر» ولم يغب رفقاء الدرب عن المشهد؛ فقد كان البرازيلي فينيسيوس جونيور، نجم ريال مدريد، أول المهنئين لبنزيما بهذه الخطوة.. في رسالة مؤثرة عبر «إنستجرام»، أكد فينيسيوس أن بنزيما سيبقى أسطورته الملهمة، مشيراً إلى أن انتقال «البنز» للهلال يعكس القوة المتصاعدة للدوري السعودي، ومنهياً رسالته بعبارة أثارت حماس الهلاليين: «استمتع في قلعة الزعيم يا أخي، سأتابع مبارياتك بشغف».. لقد أحدثت صفقة انتقال «كريم بنزيما» الهلال «هزة ارتدادية» في أوساط النجوم العالميين، ولم يقتصر الأمر على «فينيسيوس جونيور» فحسب، بل امتد ليشمل رفقاء درب بنزيما وأساطير آخرين، مما يعكس قيمة الهلال كوجهة عالمية. «لوكا مودريتش» نجم الميلان الإيطالي وزميل بنزيما لـ11 عاماً في ريال مدريد الإسباني ، تفاعل مع الخبر بكلمات مقتضبة لكنها عميقة، حيث نشر عبر خاصية «الستوري» في إنستجرام صورة تجمعه ببنزيما وعلق قائلاً: «بداية فصل جديد.. بالتوفيق يا أخي». هذا التعليق وُصف في الصحافة العالمية بأنه «مباركة» من أحد أعظم لاعبي الوسط لخطوة بنزيما نحو الزعيم. كريستيانو رونالدو (نجم النصر): كان لـ«الدون» التفاعل الأكثر إثارة للجدل، حيث غاب عن مباراة فريقه الأخيرة (أمام الرياض) تزامناً مع إعلان صفقة بنزيما.. وأشارت تقارير صحفية من بعض الصحف العالمية مثل «سكاي نيوز» و»إنديا توداي» إلى أن رونالدو يشعر بـ«القلق» من تعاظم قوة الهلال بعد ضم بنزيما، معتبراً أن كفة المنافسة باتت تميل بشدة لصالح الأزرق، مما يعكس مدى التأثير الفني والنفسي الذي أحدثته الصفقة حتى قبل أن يلمس بنزيما الكرة. البلجيكي تيبو كورتوا (حارس ريال مدريد): علق عبر منصة «إكس» مهنئاً بنزيما، مشيراً إلى أن الهلال حصل على «ماكينة أهداف لا تهدأ»، مؤكداً أن الدوري السعودي بوجود بنزيما في الهلال ورونالدو في النصر أصبح محط أنظار كل لاعبي أوروبا. عاشت الجماهير الهلالية أياماً عصيبة قبل ساعات الحسم. كانت منصات التواصل الاجتماعي ساحةً لترقب حذر وقلق مشروع، حيث تعالت الأصوات بضرورة التدخل لتدعيم الفريق.. ومع كل دقيقة كانت تمر، كان الضغط الإعلامي يزداد، والتساؤلات تتصاعد.. ولكن، كما هي عادة «كبير الآسيوين»، كان العمل يُدار في غرف مغلقة وبصمت. ومع توالي الإعلانات الرسمية في الدقائق الأخيرة، تحول ذاك القلق إلى بركان من الفرح الطاغي.. ردود الأفعال لم تكن عادية؛ فقد ضجت المنصات بإشادات واسعة بالقدرة الهلالية على حسم الأمور في «الزمن القاتل»، مؤكدين أن الهلال إذا حضر.. ألغى بحضوره الجميع.. خلف هذا النجاح المبهر، تكمن عقلية إدارية فذة أثبتت أنها تعمل بمعزل عن العواطف الآنية.. لقد أظهرت الإدارة الهلالية احترافية متناهية في التعامل مع ردود الأفعال الجماهيرية الغاضبة أحياناً، حيث لم تستسلم للضغوط، بل تعاملت بحذر شديد مع التسريبات الإعلامية حتى نضجت الصفقات.. هذا الانضباط الإداري والتعامل المتزن مع المتغيرات هو ما جعل من «العملية الاحترافية» للهلال نموذجاً يُدرس في كيفية إدارة الأزمات وتحويل الضغوط إلى إنجازات ملموسة.. لا يمكننا أن نمنح هذا المنجز حقه دون الوقوف تقديراً للدور التاريخي لداعم الهلال الأول، صاحب السمو الملكي الأمير الوليد بن طلال. هذا الرجل الذي لم يكتفِ بكونه مشجعاً، بل كان ولا يزال «الرئة» التي يتنفس بها الهلال بمواقف مشهودة ودعم سخي قدم فيه الغالي والنفيس، ساهم سموه في إبرام كثير من صفقات الهلال التاريخية، وكان صمام الأمان للاستقرار المادي والإداري طوال المواسم.. إن بصمات الأمير الوليد في هذا الميركاتو الساخن كانت هي المحرك الرئيسي، مؤكداً أن وفاءه لهذا الكيان يتجاوز حدود الدعم التقليدي، ليصل إلى مرحلة الشغف ببقاء الهلال دائماً في «عنان السماء».. بهذا الميركاتو التاريخي، أثبت الهلال أنه ليس مجرد نادٍ لكرة القدم، بل هو مؤسسة رياضية عملاقة تتماشى بذكاء مع رؤية المملكة الرياضية الطموحة والمتغيرات العالمية.. النجاعة التي أظهرها الهلال، والقدرة على جلب نجوم بحجم بنزيما وغيره، جعلت منه النادي الأكثر تميزاً ونجاعة في القارة الصفراء.. لقد انتهى الميركاتو، ولكن أثره سيبقى طويلاً، ليعلن للجميع أن الزعامة لها أهلها، وأن الهلال، وفقط الهلال، هو من يكتب السطر الأخير في كتاب المجد..