في سنة (1384هـ) شرع الأديب الراحل الأستاذ محمد بن حسين الرمضان (1930 – 2020م) في رحلةٍ بحثية طويلة وجادة لتدوين الأمثال الشعبية في الأحساء، وانطلق في تلك الرحلة مدفوعاً بوعي مبكّر وعميق بقيمة الأمثال وأهميّة جمعها وشرحها بوصفها إرثاً ثقافياً مُعرضاً للنسيان والتلاشي، وجاءت تجربته في التدوين مُتسقةً مع ظهور مدونات الأمثال الشعبية الرائدة في السعودية، مثل: «الأمثال العامية في نجد» للشيخ محمد بن ناصر العبودي (1379هـ)، و»الأمثال الشعبية في قلب الجزيرة العربية» (1383هـ) للشيخ عبدالكريم الجهيمان. وفي مقدمة كتاب «أمثال وأقوال من عامية الأحساء» ساق الرمضان عدداً من الأسباب التي دعته لإنجاز عمله الذي استغرق 40 عاماً من سنوات عمره، من بينها تغيّر نمط الحياة وبدء اندثار كثير من الحِرف التقليدية في المجتمع، وكذلك الألفاظ والتعابير والأمثال المرتبطة بها، ثم كتب: «هذا ما حدا بي إلى التفكير في جمع الأمثال العامية، وتدوينها، خشية الضياع بدافع من المسؤولية تجاه الوطن وأبنائه». ورغم تأخر ظهور ثمرة جهد المؤلف في جمع الأمثال إلى سنة 1435هـ، وهي سنة صدور الطبعة الأولى من كتابه، إلا أنّه قدّم لتراثنا السعودي عملاً رائعاً جديراً بالتقدير وبتسليط الضوء عليه، إذ يلمس الناظر إخلاصه وتميّزه وسعة ثقافته ابتداءً من المقدمة الضافية التي ركّز فيها على الجانب اللغوي للأمثال في الأحساء، مُستعرضاً عشرات الألفاظ الأعجمية الدخيلة في اللهجة الأحسائية، ومشيراً إلى أن هدفه من ذلك أن يتنبّه «إليها المواطنون، فيجتنبوها، ففي لغتهم عنها أكثر من بديل»، كما سجّل، في سياق حديثه عن الألفاظ الدخيلة، ملاحظاتٍ دقيقة منها: أن اللهجة الأحسائية «تكاد تخلو من الألفاظ التركية» مع أن الأتراك حكموا فيها لفترات من الزمن، وعلّل ذلك بسيطرة العناصر العربية على وظائف الجيش التركي آنذاك. واستعرض المؤلف، أيضاً، وناقش في مقدمته عدداً من المسائل المتصلة بالأمثال الشعبية (أو العامية كما يُفضل تسميتها)، من بينها: مسألة مرونة الأمثال والتضارب أو التعارض بين القيم التي تدعو لها بعضها، ومسألة حضور الكناية والطرافة في صياغة المثل. وأشار لمصطلح «الاتباع» في الأمثال وأورد نماذج لنوعيه، كما رصد عدداً من الظواهر الصوتية الحاضرة في لهجة الأحساء: كقلب حرف الذال ضاداً في كلمات مثل: ضخر (ذخر)، وضاق (ذاق)، أو قلب القاف جيماً في كلمات: صديج (صديق)، ورفيج (رفيق)، وغيرها. أقول بأن غايتي، من كتابة هذه السطور، ليست شرح كل جوانب التميّز في كتاب (أمثال وأقوال من عامية الأحساء)، لكن الذي قصدت إليه هو الإشارة إلى الجهد الاستثنائي للأستاذ محمد بن حسين الرمضان في توثيق جزء مهم من الذاكرة الشعبية السعودية، وهو ما يجعل اسمه جديراً بالخلود مع أسماء الأعلام الكبار الذين خدموا تراثنا الشعبي خدماتٍ عظيمة. ولعل أجمل ما يختصر فلسفته في هذا العمل هي الأبيات التي وضعها تحت صورته في استهلال كتاب أمثال الأحساء رابطاً فيها بين فناء الذات وخلود الأثر: أيها الناظرُ اللبيبُ تأمّل هذهِ صورتي وهذا بياني وهما رمزُ ما ترى العينُ من شخصي وعنوان ما يجنُ جناني ولعمري سيبقيان وأفنى كلُ شيءٍ أبقى من الإنسانِ