×
محافظة المنطقة الشرقية

سياسة إيران التصعيدية وتصدير الأزمات لن تنجح - عبدالرحمن الحبيب

صورة الخبر

تستند الإستراتيجية الراسخة في نظام ولاية الفقيه الإيراني وحكم الملالي إلى سياسة تصدير الأزمات والتدخل في شؤون الدول، ظاهريًا للدفاع عن أيديولوجيتها، بينما هي لتصدير أزماتها الداخلية للخارج مع سياسة التصعيد بتحويل الاختلاف إلى خلاف ثم توتر ثم صراع عبر تكتيكات تصعيدية تستخدم أسلوب «حافة الهاوية» دون الوقوع فيها؛ أي عندما يصل التصعيد لتهديد خطير للنظام، يُخفف من حدّة الموقف، حيث يتراجع أو يقدّم تنازلات طفيفة أو يدعو أطرافًا خارجية للوساطة وتهدئة الوضع. لكن يبدو أن تكتيكات التصعيد المقيَّد لحدود معينة تفشل في الصراع الحالي، فهذه المرة لن تسلم الجرة، فرغم أن إيران نجت مرارًا من عواقب مغامراتها المتهورة، إلا أن الوضع الآن يبدو مختلفًا، ولن تنجح هذه الإستراتيجية. كانت سياسة التصعيد وتصدير الأزمات هي سلوك النظام الإيراني على مدار ما يقارب من نصف قرن، فمنذ بداية هذا النظام عام 1979، فإنه بدلاً من تحسين علاقاته الخارجية، قام باحتجاز الرهائن الدبلوماسيين في السفارة الأمريكية بطهران، ثم ما تلاه بخطاباته العدائية ضد الدول المجاورة والتدخل بشؤونها، ومحاولة إشعال فتيل الاضطرابات فيها، بدعم وتسليح مليشيات داخل بعض هذه الدول التي تعاني من أزمات لتتحول بعضها إلى دول فاشلة. هذا السلوك للنظام الإيراني تجذَّر بعمق في مؤسساته والتي يعجز عن الفكاك منها حتى لو حاول بعض القادة الإصلاحيين فيه من تعديله، فلم يكتفِ النظام الإيراني بالتدخل في دول المنطقة، بل امتد إلى مناكفات عقيمة واشتباكات واستفزازات طائشة تُثير حفيظة الدول الغربية، وفي مقدمتها أمريكا، ثم وسّع نطاق أنشطته لتشمل محاولات اغتيال وتفجيرات ومهاجمة سفارات بتلك الدول، لتعيش بعدها إيران في عزلة سياسية وتخضع لأكثر أنظمة العقوبات الاقتصادية شمولاً في العالم. وأخيراً، مع التطور التكنولوجي للإنترنت، أصبحت إيران من أكبر الدول التي تُخترق الأمن السيبراني للعديد من الدول. أسلوب «حافة الهاوية» استمر حتى في مواجهة العام الماضي التي استمرت 12 يوماً، حين استهدفت الضربات الأمريكية المنشآت النووية الإيرانية، حيث التزمت إيران بهذا الأسلوب إلى حد كبير من خلال ردها العسكري الرمزي لحفظ ماء الوجه، عندما أطلقت صواريخها باتجاه قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر كرد فعل انتقامي، ولكن فقط بعد تحذيرات غير رسمية للسلطات القطرية والأمريكية لاتخاذ الاحتياطات اللازمة، لتجنب تصعيد أوسع لا تستطيع إيران تحمّله. أما الآن في خضم الحرب عليه من الولايات المتحدة وإسرائيل، خاطر النظام الإيراني بوضع أكبر رهان له على قدرته على السيطرة على التصعيد، وهي أقرب لمحاولة اليائس العاجز، حيث يقوم بمحاولة تصدير الحريق الذي يندلع فيه إلى دول الجوار، لكنها مقامرة قد تتجه بإيران نحو الهاوية، فإن لم تسقطه فهي أضعفته كثيراً، وستزداد عزلته العالمية. فمع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، توجه النظام الإيراني بعدوانه نحو دول الخليج العربي وبعض الدول المجاورة بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، على الرغم من أن تأثير هذا العدوان كان محدوداً بفضل التدابير المضادة الناجحة ضد الهجمات الإيرانية. فما علاقة الدول المجاورة بهذه الحرب؟ بطبيعة الحال، وللتماهي مع الموقف الدولي، يقدم النظام مبررات واهية وبائسة لعدوانه على الدول المجاورة بزعم أن ذلك سببه وجود قواعد أو تواجد قوات عسكرية أمريكية بتلك الدول، بينما هذه الدول وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، سعت وحاولت مراراً التوسط لمنع هذا الهجوم الأمريكي حفاظاً على السلام بالمنطقة، ورغم أنها منعت استخدام أراضيها أو أجوائها لتلك الحرب على إيران، إلا أن النظام الإيراني لم يكتف بتوجيه ضرباته للمواقع العسكرية، بل وجه بعضاً منها نحو مواقع مدنية وبُنى تحتية ومناطق سكانية. الهدف الظاهر لإيران من عدوانها على الدول المجاورة وتعطيلها للملاحة عبر مضيق هرمز هو الضغط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، بالإضافة للضغط على دول أخرى تخشى من تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي نتيجة ارتفاع أسعار النفط؛ ورغم أن هذا التأثير وارد، إلا أنه اتخذ اتجاهاً مزدوجاً، فقد أدركت بعض الدول الغربية ضرورة التحرك لوقف العدوان الإيراني على جيرانها، وانضمت بعضها إلى القوات الأمريكية، بينما كانت ترفض المشاركة في السابق. علاوة على ذلك، ثمة احتمال لتضرر علاقات هذه الدول مع إيران بعد انتهاء الحرب وزيادة عزلتها عن المجتمع الدولي. فلماذا يُصرُّ النظام الإيراني على هذا التصعيد الذي لا يجني منه سوى المزيد من التأزم؟ إنها سمة متأصلة في نظامه الأيديولوجي، متجذرة بعمق فيما يُمكن وصفه بالدولة العميقة، حتى وإن حاول البراغماتيون تقديم بعض التنازلات.. ولكن من يدري، ربما يتغير سلوك النظام إذا شعر بتهديد وجودي من الداخل أو الخارج، إنما قد يكون ذلك بعد فوات الأوان!