×
محافظة بلقرن

قرية الطوف.. حكاية مجدٍ من قمم الجبال إلى خارطة السياحة

صورة الخبر

    الجوهرة ال مرعي /محافظة بلقرن في أعالي جبال منطقة عسير، حيث يلامس الضباب قمم الصخور وتنساب الطرق القديمة بين تهامة والحجاز، تقف قرية الطوف شامخةً، تحرس التاريخ وتحكي فصولاً من المجد الإنساني والوطني. لم تكن هذه القرية مجرد تجمع سكني عابر، بل كانت عبر الزمن محطةً استراتيجية على طريق التجارة، ومأوى آمناً للمسافرين، ومركزاً إنسانياً نابضاً بالكرم والشهامة.   سُمّيت “الطوف” لعلوّها وارتفاعها، إذ تطل بإشرافٍ واسع على سهول تهامة، وكأنها عينٌ تراقب الطرق والمسالك. هذا الموقع الاستثنائي منحها أهمية كبرى، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضاً من الناحية الأمنية، حيث كانت نقطة انطلاقٍ في أوقات الحروب، يقودها رجال عُرفوا بالقوة والحكمة والقدرة على اتخاذ القرار في أحلك الظروف.   مجتمع متكامل… وروح لا تعرف الانكسار   شكّلت قرية الطوف نموذجاً فريداً للمجتمع المتكامل، حيث عاش أهلها على الاكتفاء الذاتي، معتمدين على الزراعة وتربية الماشية والحرف اليدوية. برع رجالها في البناء والنجارة وصناعة الحديد، فيما ازدهرت فيها الزراعة التي كانت عصب الحياة.   ولم يكن العمل وحده ما يميز أهل الطوف، بل أخلاقهم التي تناقلتها الأجيال؛ فقد عُرفوا بالكرم والسخاء، خاصة في أزمنة القحط والجوع، حيث كانوا يعطون بلا حساب، ويستقبلون الضيف وكأنه واحدٌ منهم. كما برز منهم رجالٌ في الرأي والمشورة، وشعراء ورجال دين ساهموا في بناء الوعي الثقافي والاجتماعي.   حضور في ميادين الشرف   لم تغب الطوف عن المشهد الوطني، بل كان لأبنائها حضورٌ مشرّف في ميادين الدفاع عن القضايا العربية والوطنية. فقد شارك عددٌ منهم في دعم القضية الفلسطينية، وساهم آخرون في حرب تحرير الكويت، كما كان لأبناء القرية دورٌ بارز في عمليات عاصفة الحزم.   وقدّم بعضهم تضحيات كبيرة، فمنهم من أُصيب في ميادين القتال، ومنهم من فقد بصره دفاعاً عن الوطن، فيما لا يزال آخرون يرابطون على الحد الجنوبي، يجسدون أسمى معاني الولاء والانتماء.   من مبادرة فردية إلى نهضة مجتمعية   في منتصف عام 1438هـ، بدأت قصة التحول الحديثة للقرية، عندما انطلقت مبادرة بسيطة لترميم أحد البيوت القديمة، تحوّلت مع الوقت إلى مشروع طموح لإحياء القرية بالكامل. ومع تزايد الوعي بأهمية التراث، تكاتف أبناء القرية، ليصنعوا تجربة تنموية فريدة قائمة على العمل الجماعي.   وشكّلت زيارة الامير تركي بن طلال بن عبدالعزيز نقطة مفصلية في مسيرة التطوير، حيث منحت الأهالي دفعة قوية للاستمرار، وتحوّلت زياراته المتكررة إلى رسائل دعم وتحفيز، انعكست على أرض الواقع في تسارع وتيرة الإنجاز.   دعم رسمي… ونتائج ملموسة   أسهم الدعم الحكومي في نقل القرية نقلة نوعية، حيث تم تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية، من أبرزها: • إيصال التيار الكهربائي، الذي أنهى واحدة من أكبر التحديات • سفلتة الطرق المؤدية إلى القرية وإنارتها • تركيب لوحات تعريفية على الطريق الدولي • إدراج القرية ضمن مشروع تطوير القرى التراثية   وقد تُوّج هذا الدعم بزيارة سمو أمير المنطقة في عام 1447هـ، والتي حملت إعلاناً بإدخال القرية ضمن مشروع يضم خمسين قرية تراثية، في خطوة تعكس الثقة بما تحقق من إنجاز.   وجهة سياحية بروح عالمية   اليوم، لم تعد الطوف مجرد قرية تراثية، بل أصبحت وجهة سياحية تستقطب الزوار من داخل المملكة وخارجها. فقد استقبلت سياحاً من دول الخليج، إضافة إلى زوار من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، في مشهد يعكس وصولها إلى العالمية.   وتشهد القرية إقامة فعاليات وطنية واجتماعية، مثل اليوم الوطني ويوم التأسيس والأعياد، كما تم تجهيز عدد من البيوت التراثية لتكون نُزلاً ريفية، تقدم تجربة ضيافة أصيلة تعكس روح المكان.   التكاتف… أساس النجاح   ما تحقق في قرية الطوف لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل جماعي منظم، شارك فيه أبناء القرية بمختلف فئاتهم. فقد تم تشكيل فرق عمل متخصصة في الإدارة والتطوير والفعاليات، إلى جانب دعم مالي ومعنوي من الأهالي، رجالاً ونساءً.   هذا التكاتف أعاد إحياء الروابط الاجتماعية، وأسهم في بناء نموذج تنموي قائم على الشراكة المجتمعية، تُراجع فيه الإنجازات سنوياً، وتُرسم من خلاله خطط المستقبل.   زيارات تعزز الحضور   استقطبت القرية عدداً من الشخصيات والوفود، من بينها الامير تركي بن طلال بن عبدالعزيز، إلى جانب فهد المعطاني وعبدالله بن مجدوع، إضافة إلى فرق سياحية مثل فريق سفاري الأحساء، مما أسهم في تعزيز حضورها إعلامياً وسياحياً.   طموح نحو المستقبل   رغم ما تحقق، لا يزال الطموح قائماً بأن تصبح قرية الطوف وجهة سياحية معتمدة ضمن مسار سياحي يربط شمال عسير، خاصة مع تنومة والنماص، لتكون محطة رئيسية على خارطة السياحة في المملكة والخليج.   قرية الطوف ليست مجرد مكان، بل قصة إرادة بدأت بفكرة صغيرة، ونمت بدعم القيادة وتكاتف المجتمع، حتى أصبحت نموذجاً وطنياً في إحياء التراث وتحويله إلى قيمة اقتصادية وسياحية.   هنا، حيث الجبال تروي الحكاية… يثبت الإنسان أن الطموح حين يقترن بالإرادة، يصنع المستحيل. اقرأ المزيد:- اضغط هنا  تابعنا على