عبّرت المملكة أكثر من مرة عن تنديدها بهجمات الحادي عشر من سبتمبر وتعاطفها الكامل مع أهالي الضحايا، على الرغم من الادعاءات التي ربطت بينها وبين تلك الهجمات طوال خمسة عشر عاما من الجدل السياسي والقانوني الذي أثبت دائما عدم وجود أي صلة بين الدولة ومؤسساتها الرسمية وبين ما يدور من اتهامات وتخمينات. صحيح أن العدد الأكبر من منفذي الهجمات هم مواطنون سعوديون وهذا شيء لا يمكن إنكاره، ولكنّ انتماءهم لتنظيم القاعدة الذي فتح معركة مع السعودية واستهدف شعبها ومصالحها قبل هذا التاريخ وبعده يثبت بدون أدنى شك أن الجنسية وحدها لا تثبت الولاء والانتماء فما بالك بتوريط دولة عانت ولا زالت تعاني من الإرهاب باختلاف تصنيفاته ومسمياته. والآن وبعد سنوات من الجدل بشأن الصفحات الثماني والعشرين التي تم حجبها من تقرير اللجنة المشكلة من الكونجرس الأمريكي للتحقيق في اعتداءات 11 سبتمبر والتي قيل بأنها تربط بين المملكة وتلك الاعتداءات.. يعود الكونجرس مرة أخرى ليقر قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب الذي يسمح بطريقة غير مباشرة لأهالي الضحايا بمقاضاة السعودية في المحاكم الأميركية دون أن يشير إليها بالاسم. التشريع المعروف اختصارا بـ (جاستا) لا يعد سابقة تخالف السيادة والقوانين التي تنظم التعامل بين الدول فحسب بل يفتح أبواب جهنم على الولايات المتحدة نفسها التي قد تتعرض لسيل من الملاحقات القضائية من مواطنين أجانب كانوا ضحية لسياسات وعمليات القوة العظمى العسكرية في جميع أنحاء العالم. على أبواب الانتخابات الأميركية تختلف المعادلات ويتسابق الجمهوريون والديمقراطيون لنيل ثقة الناخب وتعاطفه بأي وسيلة، لذا كان من المبرر تصويت نواب من المعسكر الديمقراطي لصالح تعطيل الفيتو الذي استخدمه الرئيس باراك أوباما لنقض القانون في سابقة بحق الرئيس وهو يودع البيت الأبيض. المسألة ليست خلافا سياسيا ولا نهاية لمرحلة طويلة من العلاقات المتميزة كما يقول البعض فالمتابع لتصريحات المسؤولين الأميركيين يدرك تقديرهم الكامل لدور الرياض في مكافحة الإرهاب ونفيهم لوجود أي دليل يثبت تورطها في أيٍ من الهجمات الأربع وهذا ما أكدته تصريحات وشهادات موثقة لكبار قادة أجهزة الاستخبارات ومعظم المعنيين بشكل مباشر بالتحقيقات الرسمية في تلك الهجمات، فما المسألة إذاً؟ لا يمكن استبعاد وقوف منظمات وجماعات ضغط سياسي معادية للمملكة وراء تمرير قانون من هذا النوع وبهذه الخطورة على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها لكن الهدف الأساسي على ما يبدو (مادي) بامتياز فقد تم استغلال المأساة ومشاعر أهالي الضحايا سعياً للحصول على تعويضات وتسويات قد تبلغ المليارات كما حدث في قضية لوكربي التي كلفت ليبيا 2.7 مليار دولار. ابتزاز من هذا النوع لا يمكن القبول به والرضوخ له، وكما طالب وزير الخارجية الراحل الأمير سعود الفيصل بكل شجاعة من أمام البيت البيض عام 2003 برفع الحجب عن الصفحات الثماني والعشرين السرية من تقرير الكونجرس لإتاحة الفرصة للمملكة للرد على أي ادعاءات مزعومة ضدها، يجب علينا الاستعداد لمعركة سياسية، اقتصادية، إعلامية متعددة بالتزامن مع ملاحقة قضائية محتملة في المحاكم الأميركية قد تمثل فرصة حقيقية لإقفال هذا الملف نهائيا وبصورة حاسمة لا يمكن بعدها العودة إلى هذا المستنقع من الابتزاز المكشوف.