محمد ولد محمد سالمهل لا يزال المدرس في وطننا العربي قادراً على أن يأخذ طلابه إلى طريق التعلّم والإبداع، ويحببهم في العلم والثقافة، وهل لا يزال الطلاب ينظرون إليه كقدوة، ويأخذون برأيه؟لن تعدم أن تقرأ في سيرة أديب كاتب أن مدرّسه الفلاني هو الذي حفّزه على القراءة والتحصيل، عن طريق شرح جميل لأبيات أو حِكمٍ، أو كلمة طيّبة مشجعة على الكتابة، وبذل الجهد، فكان ذلك الشرارة الأولى التي أوقدت خياله لتسطع أضواؤه، وظلت تقوده إلى أن وصل إلى ما وصل إليه، ففي زمن مضى عندما كان التعليم جيداً، كان المعلم يتخرّج وهو يمتلك القدرة على أداء مهنته باحتراف، ويقبل على العمل وفي ذهنه أنه يؤدي رسالة «مقدّسة»، وهي نقل أولئك الناشئة من عوالم الجهل إلى سماء المعرفة الفسيحة، والأخذ بأيديهم ليكونوا أفراداً صالحين مفيدين في مجتمعهم، وكثيراً ما كان أولئك المعلمون يؤثّرون في طلابهم بشكل مباشر، بأن يحفزوهم للتعلم وبلوغ المراتب العليا من التخصص في شتى المجالات، ويكونون بذلك سبباً لنجاحهم، ومن جانبهم كان الطلاب ينظرون إلى المدرّس على أنه قدوة يتعلّمون منه، ويتلقون كل ما يقدمه لهم بعقولهم قبل أسماعهم، فيستقر في الوجدان ويصبح سلوكاً فيما بعد، كل ذلك كان يمهّد السبيل للتحصيل الجيد الناضج، ويعدّ الطالب للمستقبل بنجاح .اليوم وقد وصل التعليم في الوطن العربي إلى أسوأ مستوياته، لأسباب كثيرة يضيق الأفق عن شرحها، وأصبح المعلّم يتخرّج بلا مستوى وهو فاقد للقدرة على أداء مهنته، التي ينظر إليها على أنها مجرّد وظيفة يسترزق بها، ويؤديها كيفما اتفق، فمن غير المؤمل أن نتوقّع منه أن يأخذ بطلابه إلى طريق العلم والمعرفة والإبداع، وأن يشجعهم ليكونوا متميزين ناجحين، خصوصاً أن الطلاب أنفسهم أصبحوا، ومنذ المراحل التعليمية الأولى، فاقدين للرغبة في التعلّم، يكرهون المدرسة والمدرّسين، ويجدون في الألعاب الإلكترونية والبرامج التلفزيونية، والألعاب العادية ما يصرفهم عن المدرسة، ويستهلك وقتهم، فكيف نتوقّع أنهم سينظرون إلى المعلم على أنه قدوة، ويأخذون كلامه على محمل الجد. لقد أصبح لهم قدوات آخرون، هم أبطال الأفلام الخياليون أو الواقعيون، والفنانون وغيرهم من الشخصيات التي يتعرفون إليهم في تلك العوالم، وهي شخصيات لا تشجّع بالضرورة على الإبداع، وأصبحت المعرفة والعلم يأتيان في آخر سلّم أولويات الطلاب.إن حالة التردي في التعليم في الوطن العربي انعكست سلباً على المعلم وصورته، ولم يعد يستطيع أن يؤثر في طلابه، وأن يجعل منهم أدباء عظاماً أو مثقفين كباراً أو مبتكرين عباقرة، وربما يكون هذا أحد الأسباب في ندرة الإبداع والابتكار وتردي الثقافة في الوطن العربي. dah_tah@yahoo.fr