عاماً بعد عام تزداد شكوى من هم في منتصف العمر، أو أكبر، من ضعف التواصل في المناسبات الدينية والاجتماعية، كالأعياد مثلاً، واكتفاء الأقارب والأصدقاء برسائل يعتقدون أنها ترسل للجميع، بعد أن كانوا يتزاورون للتهنئة أو يتصلون هاتفياً. هم يعتقدون، ومعهم بعض الحق، أن هذه الرسائل لا توصل الإحساس ولا تترك أثراً في الأنفس، بينما يعتقد الطرف الآخر أن ذلك هو سمة العصر، وأن هذه الرسائل تعفيهم من حرج نسيان أحد أو الاتصال به في وقت غير مناسب، فضلاً عن زيارته، كما أنها عند بعضهم اقتصادية ولا تكلف مالاً، وهؤلاء محقون إذا كانت حالهم المادية ضعيفة. شيئاً فشيئاً يتحقق القبول، وتتسلم كل عام مجموعة جديدة تنضم للركب، ولا يصمد إلا الراسخون في صلة الرحم، والبعيدون كلياً أو جزئياً من التقنية، وبالطبع أولئك الذين لا يكترثون. هذه تأثيرات ما بعد الحداثة التي يصفها بعضهم بالحداثة السائلة، وفضلاً عن النمط الاستهلاكي للمعلومة والخبر والابتعاد من العمق، هناك التأثير الاجتماعي الذي يتنامى ويؤثّر في الأنفس والأرواح، وهو أيضاً يؤثر في الأجساد، بل في أحد أهم أعضاء الجسد، وهو الدماغ، الذي تعتقد مؤلفة كتاب «تغير العقل: كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا» سوزان غرينفيلد، أن «الدماغ لديه إلزام نشوئي للتكيف مع بيئته»، وبالتالي فإن الخطر ليس في إدمان التقنية فقط، بل هو «أن هذه التقنيات تشكل تهديداً وخطراً وجودياً على البشرية». أعتقد أن المؤلفة، وهي أستاذة في جامعة اكسفورد، تقصد البشرية سلوكاً وأحاسيس بشرية وليس فصيلة أو جنساً في هذا الكوكب، أو في هذا الكون إن كان ثمة غيرنا، أو ثمة مجتمعات ستهاجر إلى المريخ وتتناسل فيه بعد أن تسكنه. الوسائل التقنية لا تظهر في كامل حقيقتهم، بل إنها وفرت لهم ملاذاً اعتبره واهياً أو واهماً يخفي كثيراً من طباعهم أو صفاتهم أو حتى كيف يبدون، فضلاً عن تاريخهم. إذاً هي تعطي إحساساً زائفاً بالقرب من النموذجية الإنسانية أو المثالية السلوكية، والأخطر كما أحدس، أنها تنشئ أجيالاً ستأتي لا تعرف كيف تتصرف أو تتخاطب على الطبيعة مع بقية البشر، لكن مهلاً: هل سيظل بعد جيل أو جيلين أحد خارج هذا «الاستعمار النفسي» حتى يمكن التفاعل معه طبيعياً أو محاولة التفرس في وجهه أو عينيه لسبر أغواره؟ شخصياً أشارك الرفيقة أعلاه كثيراً من آرائها، لكنني وجدت أيضاً أن التقنية إذا أحسن تسخيرها تفيد حالات إنسانية مهمة، فالعاجز جسدياً أو تلك المريضة أو المريض الذي يقوم بالتنقية الدموية لكليتيه لساعات طويلة على السرير الأبيض، يجدون في هذه التقنيات متعة معقولة في تلك العزلة الإجبارية المؤلمة، وهم لا خوف عليهم من التأثيرات أعلاه، لسبب بسيط أنهم لكونهم مرضى فهم من أكثر الناس فهماً لمعنى الحياة والأشياء. إن الصبر والألم يمنحان الإنسان قوة مختلفة، ورؤية صافية لكثير مما يعجز الأصحاء، أو من لم يتألموا، ولم يصبروا لرؤيته أو الإحساس به. الوسطية التقنية أو التواصلية هي الحل. استخدم التقنية مع الزملاء والعابرين في حياتك، واستخدم ذاتك الحية في التواصل مع من تحب صدقاً ممن له حق عليك، أو ممن علاقتك به حقيقة من حقائق حياتك.