في الوقت الذي لجأت فيه عدد من القنوات العربية والخليجية خلال شهر رمضان الماضي إلى إنتاج أعمال هابطة لم تلق إقبالاً من طرف مشاهدي التلفزيون خلال الشهر الفضيل، نجحت المؤسسة القطرية للإعلام في التغريد خارج سرب الإنتاج الهابط والمستهلك، لتثير انتباه الأجيال الجديدة إلى أهمية التشبث بقيم أهل السنة والجماعة.... وذلك من خلال استحضار قصة أحد أهم الأئمة الذين ساهموا في ترسيخ هذا الاتجاه، وواجهوا من أجل ذلك الكثير من المحن، وهو الإمام أحمد بن حنبل -رابع أئمة الإسلام-، التي نجحت المؤسسة -من خلال إنتاج ضخم، سخرت له إمكانيات ضخمة- في إلقاء الضوء على فترة هامة من فترات الصراع بين الحق والباطل، وحمل عنوان «الإمام أحمد بن حنبل»، من إخراج عبدالباري أبوالخير، ومن تأليف محمد السياري، فيما لعب دور الإمام الفنان السوري مهيار خضور، إلى جانب ثلة من النجوم، مثل: سلوم حداد في دور هارون الرشيد، وروعة ياسين في دور أم الإمام، وجيانا عيد، ومالك محمد، ومازن الجبة، وقاسم ملحو، وعاكف نجم، ورامز أسود، وشادي مقرش، ومحمود خليلي، وكفاح الخوص، وكرم شعراني، ويوسف المقبل، وحازم زيدان، وسهيل جباعي، وقمر خلف، وغيرهم. 31 حلقة رصدت سيرة الإمام وستة خلفاء عباسيين رغم أن المسلسل -الذي تم إنتاجه بتعاون مع شركة البراق للإنتاج الفني- تعرض بالتفصيل إلى حياة الإمام -انطلاقاً من حياته الشخصية.. بدءاً من مولده عام 161 هجرية ودراسته وعلمه حتى وفاته عام 241 هجرية، فإنه أيضاً يعتبر وثيقة تاريخية مرئية حول إحدى أهم فترات الخلافة العباسية، وذلك في عز قوتها، حيث إنه -ومن خلال امتداد الحلقات الإحدى والثلاثين التي تناولت سيرة الإمام- تم أيضاً التأريخ لجانب هام من تاريخ الأمة الإسلامية، منذ عهد الخليفة هارون الرشيد.. مروراً بالصراع الذي انفجر بين ابنيه الأمين والمأمون، فعهد الخليفة المعتصم، وأخيه الواثق، وأخيراً.. وصولاً إلى عهد الخليفة المتوكل، الذي كان توفي الإمام أحمد بن حنبل في عهده. فتنة خلق القرآن ومحنة الإمام بالعودة إلى بعض أهم لحظات المسلسل، الذي تنطلق حلقته الأولى بوقوف الإمام أحمد بن حنبل بالسوق ينادي على من يكتري منه دكان أبيه في سوق بغداد، يضعنا مؤلف العمل منذ البداية أمام سمة من أبرز السمات التي ترافق الإمام خلال حياته،ألا وهي الزهد والرضا بالقليل، حيث رفض منذ البداية مساعدة عمه التاجر الغني، وفضل العيش رفقة أمه بدريهمات هي نتاج كراء الدكان، وذلك تفرغاً للعلم، وتحقيقاً لرغبة والدته التي وجهته منذ البداية نحو هذا المجال، حيث يُظهر المسلسل حرصَ الإمام على تحصيل العلم، رغم معاناته الشديدة، وسعيه لكسب العيش، من خلال الاحتطاب من الغابات القريبة من بغداد. يتنقل المسلسل إلى بروز الصراع بينه وبين بعض زملائه داخل فصل الدراسة، ومنهم بدر.. الذي سيلعب دوراً كبيراً في محنته فيما بعد، خاصة أن الإمام استفاد من لقائه بالإمام الشافعي -ثالث الأئمة- الذي تلقى على يديه العلم بمكة، وكذلك ببغداد، وهو ما أهله ليكون في طليعة المتصدين لفتنة خلق القرآن التي قال بها «المعتزلة»، والتي كانت سبباً في سجنه آخر أيام المأمون، قبل أن يقوم المعتصم بجلده لحمله على القول بخلق القرآن، وهو ما رفضه، ليضطر المعتصم تحت ضغط أنصار الإمام من أهل السنة والجماعة إلى إطلاق سراحه، رغم معارضة المعتزلة، الذين فرضوا هيمنتهم على كل مفاصل الدولة خلال فترة حكم المعتصم، ومن خلال أخيه الواثق من بعده، الذي كان أكثر تشدداً ممن سبقوه في مسألة خلق القرآن، والتي دفعته إلى محاولة نفي الإمام عن بغداد، ليكون تحت حماية تلامذته الذين آووه بطريقة سرية في بيوتهم. الخليفة المتوكل وجبر ضرر الإمام مع تطور الأحداث، ومجيء المتوكل إلى الحكم، تحصل انفراجة في مسار دفاع الإمام عن الحق، خاصة وأن المتوكل لم يكن مقتنعاً بمسألة خلق القرآن التي كان يدافع عنها إخوته (المأمون، والمعتصم، والواثق)، ليحاول جبر الضرر الذي لحق بالإمام في عهدهم، من خلال منحه مبلغاً كبيراً من المال، قام الإمام بتوزيعه على فقراء بغداد من أبناء المهاجرين والأنصار، ثم بمحاولة استقدامه إلى القصر ليكون معلماً للمعتز -ولي عهد الخليفة المتوكل-، ورفضه أيضاً، علماً أن بين هذه الأحداث تبرز محاولة استرضاء الإمام من خلال أبنائه وعمه، وهو ما كان يضايق الإمام كثيراً، الذي اضطر المتوكل في النهاية لأن لا يحمله على ما يكره، خاصة وأنه لمس زهده في كل ما له علاقة بحياة الترف. قبل أن تشهد أحداث الحلقات الأخيرة نهاية جماعة المعتزلة، وعزلهم عن مختلف مناصب الدولة، وكذا تأميم أموالهم وردها إلى بيت مال المسلمين، بعد ثبوت كذبهم وبهتانهم في مسألة خلق القرآن، بل إن واحداً من أبرز زعمائهم (بدر) -الذي نافس الإمام شاباً- زاره وهو في مرض موته، ليطلب منه العفو عن ما بدر منه، ليحلله من أي مسؤولية. ليسدل الستار على قصة الإمام، التي نجحت المؤسسة القطرية للإعلام في تقديم مختلف جوانبها، ورصد أحوال كل الطبقات التي عايشته، إضافة إلى التركيز على بعض الفتوحات الإسلامية في عصر هارون الرشيد، وغيرها من الأحداث. علماً أن هذا هذا العمل التاريخي قام على مراجعته 3 مشايخ شرعيين على مدار عامين كاملين، وهم الدكتور حسن الحسيني، والشيخ مبارك الكبيسي، والدكتور محمد رفيق الحسيني، كما تم تصويره في تركيا ولبنان.;