إنه شيخ المعمِّرين من الأدباء؛ الذي عايش القرن العشرين كله، بحلاوته ومرارته! التقى بالساسة والأدباء والكتَّاب باختلاف مشاربهم؛ فعمله بجريدة «المقطم» أتاح له فرصة اللقاء مع: الرئيس التونسي/ الحبيب بورقيبة، والمجاهد المغربي/ الأمير عبد الكريم خطَّابي، ومفتي فلسطين الحاج/ محمد أمين الحسيني، والزعيم الهندي/ نهرو، وغيرهم الكثير ممن زاروا مصر آنذاك. مشواره الحياتي يؤرخ لميلاد الصحافة الورقية ووفاتها –في آنٍ واحد- باعتباره شهد تأسيس كبرى المؤسسات الصحفية كالأهرام، ودار الهلال، والمقطم، والمقتطف، والرسالة، وغيرها. وقد عمل مع أرباب البيان، وعباقرة الفن والأدب، أمثال: جورجي زيدان، ويعقوب صروف، وشبلي شميل، وفارس نمر، والزيات، وزكي مبارك. كما عاصر جيل الرواد، وحاورهم، أمثال: الرافعي، والمنفلوطي، والزيات، والعقاد، وطه حسين، وغيرهم من المشاهير. لقد استطاع أن يكون حلقة وصل بين عدة أجيال من المبدعين والكُتّاب في مصر والعالم العربي والمهجر، وربط بين هؤلاء من خلال المراسلات والتراجم لأعمالهم الإبداعية.. وترجم لكثيرٍ منهم؛ الأمر الذي جعله نقطة ارتكاز لفك شفرة عصر الكُتَّاب والأدباء الرواد؛ الذين أثروا حياتنا الفكرية بالروائع الأدبية والثقافية. قالت عنه صافيناز كاظم: «هوايته الفكرية هي البحث عن تعبيرات علمية أغفلتها القواميس المتخصصة». كما وصفت استخدامه للغة العربية بأنه: «أنيق لدرجة أنه يجعل محبي تلك اللغة يشهقون من شدة إعجابهم». وأنَّ «أسلوبه الأنيق الظريف يصل إلى أعماق الشخصية التي يتحدث عنها مذيلاً الحواجز بين المؤلف والمؤلف عنه». أمَّا هو فيقول عن نفسه: «أنا المرجع الأول في الأدب المهجري؛ لعلاقاتي الوثيقة بهم، وصادقتُ الأضداد من الأدباء والمفكرين، ولمْ أتحزب لأحد، وألّفتُ عشرات الكتب، ولم أضع اسمي عليها، وعندي عشرة آلاف رسالة خطية لكبار العلماء والأدباء العرب»! لقد عايش الزمن الجميل من الحرية والإبداع ... لذا؛ يقول: «لا أفهم للأدب حياة إلاَّ مع الحرية الكاملة، فإنْ كان هناك قيد واحد، فقل: على الأدب السلام». وقد كشف عما يعانيه في الحقبة الأخيرة من مرارة الواقع الثقافي، فقال: «يكاد المرء يندم لأنه اختار الفكر مهنة له». ويكشف عما يجيش بنفسه من فساد الحياة الثقافية، فيقول: «لا أجد ما يدعو إلى المتابعة في هذه الأيام، بسبب طغيان موجة الشِّعر الجديد التي أفسدت ذوق القارئ، وكادت تحيل الشِّعر الجميل بما فيه شِعر المهجر، إلى «التقاعد»؛ فانصرفَ القراء عن الشِّعر الموزون المقفَّى، وبارتْ سوقه لدى الناشرين، وقد سئلتُ ذات مرة: هل تعرف الشاعر فلاناً -وهو ممن يكتبون كلاماً يفتقر إلى خصائص الشِّعر الحقيقية- فقلت للسائل: إنَّ من عرف خليل مطران، وإبراهيم ناجي، ومحمود حسن إسماعيل، وأبا شادي، والشاعريْن اللبنانييْن: بولس سلامة، وأمين نخلة، وكذلك صالح جودت، ومحمد مصطفى الماحي، ومحمود أبو الوفا، وكل شعراء المهجر، فهل يخسر شيئاً إذا لم يعرف صاحب هذا الشِّعر الهزيل»؟ مسيرة حياتية شاقة إنه الأديب الكبير/ وديع فلسطين- الذي ينحدر من أسرة قبطية، بصعيد مصر الجوَّاني، بجنوب قنا، ثمَّ انتقلتْ بعد ذلك إلى مركز «أخميم» بسوهاج. درس الصحافة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1935م، ثمَّ بدأ حياته المهنية بجريدة «الأهرام»، ثم في دار المقتطف، فالمقطم ... وبعدها مشى على الشوك حافي القدميْن! يقول: «إنني غيرتُ مسار حياتي أكثر من مرة؛ ففي فترة اتجهتُ بكليتي إلى الترجمة، وحين اعتقلني جمال عبد الناصر بقيتُ في البيت ثلاث سنوات بلا وظيفة، وكلما ذهبتُ إلى عمل ما، قالوا لي: أنت مغضوب عليك من الثورة، فلا يوظفونني، إلى أن بادرتْ دار المعارف بإرسال بعض الكتب إليَّ لأترجمها، وكذلك فعلتْ أرامكو السعودية، وأذكر أنه حدث في إحدى المرات إشكال قانوني في أرامكو، بخصوص اتفاقية نقل البترول، واتُّفق على أن يُلجأ فيها إلى التحكيم الدولي في جنيف، فذهبتُ معهم كمترجم، ووجدتُ نفسي كبير المترجمين، وبقيتُ في هذه القضية ثمانية أشهر، ننتقل من مكان إلى مكان، وبعد ذلك عرضتْ عليَّ أرامكو أن أعمل في مكتبهم بالقاهرة، مديرًا للعلاقات العامة، فكنتُ مسؤولًا عن مجلة «قافلة الزيت»، وبعد عشر سنوات حين ساءت العلاقة بين مصر والسعودية في أيام عبد الناصر والملك سعود، قرروا إغلاق المكتب في القاهرة، وتمَّ نقل النشاط إلى بيروت، فوجدتُ نفسي في الشارع من جديد، إلى أن وجدتُ وظيفة مترجم قانوني في شركة نفط أمريكية في ليبيا، وسافرتُ إلى هناك حتى حدثت ثورة القذافي، وخلال أربع وعشرين ساعة رحَّلوني من البلد، ولم أكن أعلم لماذا، مع أنني كنتُ أعرف أكثر زعماء ليبيا»! (90 عاماً) بين أروقة الأدب والصحافة تسعون عاماً قضاها وديع فلسطين بين أروقة الأدب والفكر والصحافة، رأى فيها ما لم يره غيره، وسمع فيها ما لم يسمعه سواه، يقول في ذلك: «مما أعتزُّ به في مسيرتي الأدبية، أنني تواصلتُ مع أعلام الشعر في المهاجر الأمريكية، وصارت لي صداقات حميمة مع الشعراء الكبار، أمثال: جورج صيدح، والشاعر القروي رشيد سليم الخوري، وإلياس فرحات، وزكي قنصل، وشفيق معلوف، وغيرهم، وهم من شعراء أمريكا الجنوبية، وكذلك مع الشعراء: نعمة الحاج، ووديع رشيد الخوري، والدكتور سليمان داود، ومع الدكتور أحمد زكي أبى شادي بعد هجرته إلى أمريكا.. وهؤلاء من شعراء أمريكا الشمالية. ولم أحاول التواصل مع «إيليا أبي ماضي» حتى عندما زرتُ أمريكا في عام 1955م، لأنني كنتُ واقعاً تحت تأثير صديقي «أبي شادي» الذي قال لي: إنه يعجب بشعر أبي ماضي، وينفر من شخصيته الشرسة! من جوانب العبقرية في شخصية وديع فلسطين؛ أنه متوازن في عواطفه، ومتوسط في صداقاته، وفي علاقاته بالجميع، فلا يعرف للعداوة طريقاً، ولا للخصومة سبيلًا؛ ولقد عبَّر عن ذلك بقوله: «الحقيقة أنني كنتُ صديقاً للأضداد بسبب عدم انحيازي إلى أيّ اتجاه بعينه، أوْ تحزبي لأيّ شخصية أدبية، فمن أصدقائي باختلاف مشاربهم: الشيخ محمود شاكر، وخالد محمد خالد، ومحمود أبو رية، وعبد الله القصيمي، وسيد قطب، وسلامة موسى، وإسماعيل مظهر، كما صادقتُ زكي مبارك، وطه حسين، والعقاد، والمازني. ولم أحاول تصنيف الأدباء إلى أشرار وصالحين كما فعل صديقي/ أنور الجندي في كتابه «الصحافة والأقلام المسمومة»! من حكايات المجامع اللغوية بالفعل؛ «وديع فلسطين» وديع ومتواضع وخجول، هادئ الطبع، ليست له مطامع دنيوية، ولا مآرب حزبية، ولا شيء مما يتهافت عليه الناس، يقول: «لم يكن من مطامعي أنْ أُحشر بين من أعدهم من أساتذتي الكبار، ومع ذلك فعندما اختارني مجمع اللغة العربية بدمشق عضوًا مراسلاً في عام 1986م ومجمع اللغة العربية الأردني عضواً مؤازراً في عام 1988م؛ فقد تهيَّبتُ الموقف، ورجوتُ السادة أعضاء المجمعيْن أن يعتبروني تلميذاً في هاتيْن المؤسستيْن. وقد تنفستُ الصعداء بعد ذلك عندما رشِّحتُ من وراء ظهري مرتيْن لعضوية مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وكان الرسوب من قسمتي! فليس لي صبر ولا أهلية للمشاركة في مجمع الخالدين، لأنني أسكن في حي «مصر الجديدة» ويطلبون حضوري إلى المجمع بحي «الزمالك» لمناقشة (حرف الهمزة)! أعلام عصر وديع فلسطين كثيرة هي الكتب التي ألَّفها وديع فلسطين، وكثيرة تلك الكتب والدواوين التي قام بتحقيقها، وأكثر من ذلك الكتب التي ترجمها، مثل: «موسوعة كومبي المصورة» وهي موسوعة من ثمانية أجزاء، و«موسوعة أعلام مصر والعالم»، وموسوعة «القبط» التي صدرت باللغة الإنجليزية في ثمانية أجزاء في أمريكا، و«قاموس الأدب العربي الحديث»، وغيرها. لكن أهم كتاب أصدره، هو: «وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره» يقع في جزءيْن في نحو 750 صفحة، إذْ يتحدث عن مائة شخصية من الأعلام الذين عرفهم. هذا الكتاب يفصِح عن سيرته الذاتية من خلال هؤلاء الأعلام الذين تعامل معهم.