×
محافظة الخبر

البودكاست.. الصوت الواعد للإعلام السعودي الجديد

صورة الخبر

خلال الأشهر الماضية، قُمتُ بإجراء عددٍ من اللقاءات مع برامج بودكاست، ولاحظتُ بشكل مباشر الفرق الذي تصنعه هذه المنصَّات -الجديدة نسبيًّا- في طبيعة الحوار الإعلاميِّ. ففي مساحاتها الممتدَّة، يمكن للمتحدِّث تقديم إجابات تفصيليَّة عن أسئلة المحاور، والتطرُّق إلى قضايا وسياقات أوسع، قد لا تسمح بها المساحة أو الوقت في غالبية وسائل الإعلام التقليديَّة، التي تحكمها -عادةً- تقاليد أكثر صرامةً، وعناوين مختصرة، وإيقاعات سريعة. هذه التغيُّرات التي يشهدها حقلُ الإعلام اليوم، خاصَّةً تلك المتعلِّقة بالبودكاست، ينبغي النَّظر إليها باهتمام، من زاوية الوسيلة نفسها، بالإضافة إلى زاوية العلاقة مع الجمهور، وفهمه، وكسب ثقته واحترامه. ومن هنا أيضًا، يمكن فهم لماذا أصبح البودكاست أحد أبرز ملامح التحوُّل الإعلاميِّ في السعوديَّة، كما في باقي أنحاء العالم، فنحن اليوم أمام مرحلة لم تعد فيها المنافسة تقتصرُ على السَّبق، أو المعلومة وحدها، بل على انتباه المتلقِّي، وجاذبيَّة المحتوى، وموثوقيَّته، ومهنيَّة العرض الخالية من التَّسطيح والإسفاف. ففي كافَّة دول العالم، تتبدَّل عادات الاستهلاك الإعلاميِّ بسرعةٍ لافتة، فالجمهور الواعي والجاد لم يعد يكتفي -مثلما يتصوَّر البعضُ- بالعناوين المختصرة، أو الإشارات السَّريعة، بل أصبح يبحث عن مساحات أعمق للفهم والتَّفسير.. وهكذا جاء صعود البودكاست، بوصفهِ منصَّة تزداد تأثيرًا في تشكيل النقاشات العامَّة، وصناعة الوعي، وإعادة تعريف أدوار الصَّحافة. البودكاست يقدِّم لنا اليوم نموذجًا مختلفًا عن الإيقاع السَّريع للأخبار، والتحليلات اليوميَّة، فهو يمنح مساحةً زمنيَّةً أطول للحوار، ويُعيد الاعتبار لفكرة «الإعلام الهادئ» الذي يسمح بفهم السِّياقات، لا الاكتفاء بالعناوين والأفكار الخاطفة. ولهذا شهدنا خلال السنوات الأخيرة توسُّعًا ملحوظًا في برامج البودكاست السعوديَّة؛ التي تناقش الاقتصاد، والثقافة، والرياضة، والتحوُّلات الاجتماعيَّة، وقضايا التَّنمية، بلغة أقرب للجمهور، وأكثر اهتمامًا بتفاصيله، وإشباعًا لحاجته من المعلومات. هذه الظَّاهرة ليست محليَّة فقط، بل هي جزءٌ من تحوُّلٍ عالميٍّ أوسعَ، ففي الولايات المتحدة مثلًا، بات السياسيُّونَ والمتخصِّصُونَ يلجأُونَ بشكل متزايد إلى المنصَّات الحواريَّة والبودكاست؛ لتجاوز الإعلام التقليديِّ، والوصول المباشر للجمهور، فالمنافسة هناك لم تعد تقتصر على نقل الخبر فحسب، بل تمتد لمهارة انتقاء الموضوعات، والتحكُّم في السرديَّات، والقدرة على الجذب والإقناع في بيئة مكتظَّة بالمحتوى.. وهو مثال يوضِّح كيف أصبحت منصَّات البودكاست أدوات تأثير؛ لا تقلُّ وزنًا عن وسائل الإعلام التقليديَّة الكُبْرى. وبالنَّظر إلى السياق السعوديِّ الذي يحدث فيه التحوُّل ضمن بيئة إعلاميَّة تتطوَّر بسرعة كبيرة؛ بالتَّوازي مع التحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة التي تعيشها المملكة، فإنَّ الإعلام السعوديَّ اليوم، أمام فرصة جيدة لإعادة بناء أدواته، وتوسيع حضوره، والتَّفاعل مع جمهور أكثر انتشارًا وتنوُّعًا من أيِّ وقت مضى. والملاحظ أنَّ تطوُّر برامج البودكاست في المملكة لا زال يمرُّ بمرحلة انتقاليَّة، ففي حين تمكَّن بعضُها من جذب جمهور واسع، وأرقام مشاهدات عالية، لا زال كثيرٌ منها يعتمدُ على اجتهادات فرديَّة تُركِّز على الإثارة والتَّصنُّع، وتفضيل التَّفاعل العابر على الجودة، بشكلٍ يُؤثِّر على قدرتها على الإقناع والانتشار، وعلى الوصول للشرائح الأهم والأكثر تأثيرًا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى دعم نوعيٍّ لهذه الصناعة الهامَّة النَّاشئة، ليس فقط عبر مساعدتها على استضافة الأسماء المعروفة، بل عبر تطوير الجوانب المهنيَّة الأهم، والتي تشمل جودة الإعداد، واحترافيَّة التقديم، ورصانة لغة الحوار، ووجود أدوات تقييم أداء تتجاوز أرقام المشاهدات إلى قياس الأثر.. والأهم من كل ذلك استكشاف ودعم المحاولات الإبداعية الناشئة، بدلًا من التَّركيز على منصَّات وبرامج محدَّدة بشكل يمكن أنْ يُفِقدَها الحافز للإبداع والتطوُّر.