×
محافظة العديد

توثيق المئوية لإنجازات الدبلوماسية السعودية - عبدالوهاب الفايز

صورة الخبر

مع اقتراب مرور مئة عام على انطلاق الدبلوماسية السعودية الرسمية، التي تعود جذورها إلى عام 1926م بإنشاء المديرية العامة للشؤون الخارجية في عهد الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، رحمه الله، تبرز أمامنا فرصة وطنية نادرة لا ينبغي التعامل معها بوصفها مناسبة احتفالية فحسب، بل محطة وعي تاريخي وسياسي تستدعي المراجعة والتوثيق والبناء على تجربة استثنائية في تاريخ الدولة الحديثة. الذي يطلع على المذكرات وسيرة قيادات الدولة يجد أن الدبلوماسية السعودية لم تكن نشاطًا عاديًا، بل كانت إحدى الأدوات المهمة في مشروع إعادة توحيد الدولة، وترسيخ سيادتها، وبناء شرعيتها الدولية ورعاية مصالحها العالمية. ومنذ إنشاء وزارة الخارجية عام 1930م وتعيين الأمير فيصل بن عبد العزيز، رحمه الله، أول وزير لها، دخلت المملكة مبكرًا عالم العلاقات الدولية وهي دولة ناشئة، في بيئة إقليمية مضطربة ونظام دولي تحكمه القوى الاستعمارية. وعلى امتداد قرن كامل، راكمت الدبلوماسية السعودية خبرة سياسية متميزة، مكنتها من التعامل بحنكة وقدرة لضمان أمن وسيادة ونماء الدولة. الدبلوماسية السعودية تعاملت مع صراعات وأحداث وتحولات كبرى شهدها العالم ومنها: الحربان العالميتان، ونهاية الاستعمار التقليدي، والحرب الباردة، وصعود النفط كعنصر إستراتيجي، ثم مرحلة الأحادية القطبية، وصولًا إلى عالم اليوم الذي تتبدل فيه مراكز النفوذ والتحالفات بين قوى متعددة. وفي كل هذه المراحل، حافظت السياسة الخارجية السعودية على سمات أساسية: الاتزان، والمصداقية، واحترام السيادة للدول، وعدم التدخل بالشأن الداخلي للدول الأخرى، وتغليب الحلول السياسية التي تخدم مصالح الشعوب، والابتعاد عن المغامرات السياسية والأيديولوجية. فخلال الحرب الباردة، مثلًا، لم تنجر المملكة إلى الاستقطاب الحاد، رغم موقفها الواضح المناهض للشيوعية، بل أدارت علاقاتها الدولية - كما تفعل الآن - بحسابات دقيقة تحمي مصالحها وتدعم استقرار محيطها العربي والإسلامي. وفي عهد الملك فيصل، رحمه الله، تحوّل التضامن الإسلامي إلى ركيزة استراتيجية في السياسة الخارجية السعودية، ليس بوصفه خطابًا تعبويًا، بل إطارًا عمليًا لمواجهة التحديات الفكرية والسياسية التي كانت تهدد المنطقة آنذاك. ولعل أبرز ما يميز التجربة الدبلوماسية السعودية هو (ثباتها الأخلاقي في القضايا المصيرية)، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فمنذ موقف الملك عبد العزيز الرافض لقرار تقسيم فلسطين عام 1947م، مرورًا بتحويل قرار التقسيم إلى قضية إسلامية جامعة بعد حريق المسجد الأقصى عام 1969م، وصولًا إلى مبادرة السلام العربية عام 2002م التي قدّمها الملك عبد الله، رحمه الله، ظل الموقف السعودي واضحًا في جوهره: دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ورفض الاحتلال، والسعي إلى حل عادل وشامل يضمن الأمن والاستقرار للجميع. وفي السنوات الأخيرة، ومع تصاعد العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين وانسداد الأفق السياسي، قادت المملكة، بالشراكة مع قوى دولية فاعلة، جهودًا دبلوماسية نشطة داخل الأمم المتحدة لإحياء حل الدولتين، وتوسيع دائرة الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، في وقت تراجعت فيه مواقف كثير من الدول عن التزاماتها الأخلاقية والسياسية، بل هناك - مع الأسف - من يتآمر على القضية الفلسطينية ويتحالف مع المشروع الصهيوني المخرب للدول العربية!. ولا ينفصل هذا الدور عن الحضور السعودي المتقدم في ملفات إقليمية أخرى تمس الأمن القومي العربي. في ظل الأوضاع العربية الحالية الصعبة، وجدت المملكة نفسها، في ظل تفكك دول عربية عدة، أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز المصالح الضيقة، إلى حماية فكرة الدولة الوطنية ذاتها. وفي هذا السياق، لعبت الدبلوماسية السعودية دورًا محوريًا في دعم وحدة اليمن وسوريا والسودان والصومال وليبيا، ورفض مشاريع الانفصال، سواء عبر الوساطة السياسية، أو الدعم الإنساني، أو التحرك داخل المنظمات الدولية. وقد تجاوز الدعم السعودي في هذه الملفات الطابع السياسي إلى التزام إنساني وتنموي واسع، شمل الإغاثة، وإعادة الإعمار، ودعم مؤسسات الدولة، كما تعمل الآن في اليمن والسودان انطلاقًا من قناعة راسخة بأن استقرار الإقليم لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بإعادة بناء المجتمعات المنهكة بالحروب. وإيمان المملكة بأهمية البناء والتنمية شجع على دعوة قيادات المملكة إلى إنشاء تحالف إسلامي عربي للتنمية والأمن والتعاون. وهذا عبء جديد على الدبلوماسية السعودية. وما يشجع على طرح المبادرات الكبرى هدفه استثمار حيوية الدبلوماسية السعودية التي ظلت تحقق أهدافها المنشودة بفضل الله ثم بجهود الكوادر الوطنية المخلصة بديوان وزارة الخارجية وممثلياتها في الخارج، والتي تعمل بتفانٍ وتضحي بالكثير من وقتها وصحتها في سبيل خدمة وطنها. ولنا أن نتذكر في هذا الصدد صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل، رحمه الله، عميد الدبلوماسية العالمية، وسانده العديد من رجالات وزارة الخارجية الأوفياء على مدى تاريخها. وترسيخًا لهذه الإنجازات ولهذا الإرث السياسي والدبلوماسي الغني، ومع مرور 100 عام، نحتاج إلى التوثيق الرسمي المنهجي لهذه التجربة الدبلوماسية السعودية. الكثير من المحطات المفصلية، والقرارات الكبرى، والمفاوضات الحساسة، لا تزال موزعة بين أرشيفات متفرقة، أو محفوظة في (الذاكرة الشفهية) لرجال دولة والدبلوماسيين الذين خدموا الوطن لعقود. ومع مرور الزمن، والتأخر في التوثيق سوف يصبح خطر فقدان هذا الرصيد المعرفي حقيقيًا. من هنا، تبرز الحاجة إلى إطلاق مشروع وطني متكامل لتوثيق التاريخ الدبلوماسي السعودي، بوصفه جزءًا أصيلًا من الذاكرة الوطنية، وأداة استراتيجية لدعم صناعة القرار، ولبناء الأجيال القادمة من الدبلوماسيين. التوثيق يتوجب أن يكون مشروعًا تشاركيًا تقوده وزارة الخارجية، بالتعاون مع دارة الملك عبد العزيز، والأرشيف الوطني، والجامعات السعودية، ومراكز الدراسات. والهدف هو جمع وتصنيف ورقمنة الوثائق الدبلوماسية منذ عام 1926م، وفق ضوابط سيادية ومهنية دقيقة. وهناك حاجة تستدعي التعجيل بالمشروع، وهي ضرورة توثيق مسارات السفراء والدبلوماسيين السعوديين، وتسجيل شهاداتهم وتجاربهم ضمن برنامج للتاريخ الشفهي، وتحويل هذه المادة إلى كتب ودراسات وحالات تعليمية تُدرَّس في كليات العلوم السياسية والعلاقات الدولية ومعهد الأمير سعود الفيصل للدراسات الدبلوماسية (الذي من الضروري أن يكون له دور رائد في هذا الجهد). مع أهمية استعادة أو نسخ الوثائق المتعلقة بالسعودية من أرشيف المؤسسات والمكتبات الدولية. هذه ضرورية لاستثمار هذه الوثائق في الأمور المستجدة خصوصًا أننا نمر بحقبة يطرح فيها تفكيك الدول وإعادة تشكيل خريطة المنطقة. نحتاج إلى الوثائق التي تعزز السردية الوطنية وتمنحها السند القانوني. إن توثيق التاريخ الدبلوماسي ليس ترفًا ثقافيًا، ولا مجرد وفاء للماضي، بل استثمار في المستقبل. فالدول التي لا تحفظ ذاكرتها السياسية، وتترك روايتها للآخرين، تفقد قدرتها على التعلم من تجاربها في لحظات التحول والأزمات. لذا، ومع اقتراب مئوية الدبلوماسية السعودية، تبدو هذه اللحظة مناسبة لإطلاق مشروع وطني يليق بحجم التجربة، ويكرّم رجال الدولة الذين صنعوا هذا التاريخ بصمت، ويعزز مكانة المملكة بوصفها قوة توازن وحكمة في عالم يموج بالاضطرابات. وثمة أمر مهم: بعد تحقيق هذه المنجزات لوزارة الخارجية، الواجب التفكير بكيفية ترسيخ وتعزيز الصورة الذهنية الإيجابية للوزارة وللعاملين فيها، حتى نحافظ على مواردنا البشرية المتمرسة، فالمعروف أن المهن الدبلوماسية مثل المهن العسكرية تحتاج الاستقرار والانضباط، فنجاح العمل المهني الدبلوماسي يتم عبر مسار وظيفي يراكم وينمي التجارب والمعارف والخبرات. إن تعزيز التقدير والاحترام، منا جميعًا، لمكانة وزارة الخارجية وموظفيها واجب وطني مقابل ما يقومون به من تضحيات أثناء عملهم في بقاع الأرض المختلفة، حيث نراهم الآن يواصلون التضحيات بالذات قيادات الوزارة الذين يتصدون للعمل الدبلوماسي، فوزير الخارجية الأمير فيصل الفرحان يتنقل بين عواصم العالم على حساب صحته وراحته، وكذلك حال قيادات الوزارة وسفرائها. وللحديث بقية.